(وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ)
هذه قاعدة قرآنية محكمة، نحن بأمس الحاجة إليها كل حين، وخاصة حين يبتلى الإنسان بمصيبة من المصائب المزعجة، وما أكثرها في هذا العصر.
وهذه القاعدة القرآنية جاء ذكرها ضمن آية كريمة في سورة التغابن يقول الله فيها:(مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ، وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [التغابن: ١١].
والآية كما هو ظاهر وبين تدل على أنه ما من مصيبة أيا كانت، سواء كانت في النفس، أو في المال، أو في الولد، أو الأقارب، ونحو ذلك، فكل ذلك بقضاء الله وقدره، وأن ذلك بعلمه وإذنه القدري عز وجل، وجرى به القلم، ونفذت به المشيئة، واقتضته الحكمة، والشأن كل الشأن هل يقوم العبد بما يجب عليه من عبودية الصبر والتسليم -الواجبين، ثم الرضا عن الله تعالى؟! وإن كان الرضا ليس واجبا، بل مستحبا.
وتأمل كيف علق الله تعالى هداية القلب على الإيمان؛ ذلك أن الأصل في المؤمن أن يروضه الإيمان على تلقي المصائب، واتباع ما يأمره الشرع به من البعد عن الجزع والهلع، متفكرًا في أن هذه الحياة لا تخلوا من منغصات ومكدرات:
جبلت على كدر وأنت تريدها صفوا من الأقذاء والأقذار!
وهذا كما هو مقتضى الإيمان، فإن في هذه القاعدة: (وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) إيماء إلى الأمر بالثبات والصبر عند حلول المصائب؛ لأنه يلزم من هَدْيِ الله قلب المؤمن عند المصيبة ترغيب المؤمنين في الثبات والتصبر عند حلول المصائب فلذلك جاء ختم هذه الآية بجملة: (وَاللهُ بِكُلِّ شيء عَلِيمٌ).
وهذا الختم البديع بهذه الجملة: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) يزيد المؤمن طمأنينة وراحة من بيان سعة علم الله، وأنه ﷻ لا يخفى عليه شيء مما يقع، وأنه ﷻ كل الأعلم بما يصلح حال العبد وقلبه، وما هو خير له في العاجل والآجل، وفي الدنيا وفي الآخرة، يقرأ المؤمن هذا وهو يستشعر قول النبي ﷺ: عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له.
ويقول عون بن عبد الله بن عتبة: إن الله ليكره عبده على البلاء كما يُكره أهل المريض مريضهم، وأهل الصبي صبيهم على الدواء، ويقولون: اشرب هذا، فإن لك في عاقبته خيرًا، ولنعد إلى هذه القاعدة: (وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) التي هي موضع حديثنا.
وثمة كلمات نورانية، قالها سلف هذه الأمة تعليقا على معنى هذه القاعدة، ولنبدأ بحبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس - حيث يقول رضي الله عنه في قوله تعالى:( وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قلبه): يهد قلبه لليقين فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
ويقول علقمة بن قيس في هذه القاعدة (وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ): هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله فيسلم لها ويرضى.
وقال أبو عثمان الخيري: من صح إيمانه؛ هدى الله قلبه لاتباع السنة.
ومن لطيف ما ذكر من القراءات المأثورة - وإن كانت ليست متواترة ولا مشهورة أن عكرمة قرأ: ومن يؤمن بالله يهدأ قلبه أي: يسكن ويطمئن.
ومجيء هذه القاعدة في هذا السياق له دلالات مهمة، من أبرزها:
1- تربية القلب على التسليم على أقدار الله المؤلمة كما سبق.
2-أن من أعظم ما يعين على تلقي هذه المصائب بهدوء وطمأنينة: الإيمان القوي برب العالمين، والرضا عن الله تعالى بحيث لا يتردد المؤمن – وهو يعيش المصيبة - بأن اختيار الله خير من اختياره لنفسه، وأن العاقبة الطيبة ستكون له – ما دام مؤمنا حقا - فإن الله تعالى ليس له حاجة لا في طاعة العباد، ولا في ابتلائهم! بل من وراء الابتلاء حكمة، بل حِكَمٌ وأسرار بالغة لا يحيط بها الإنسان، وإلا فما الذي يفهمه المؤمن حين يسمع قول النبي ﷺ: أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل ؟!، وما الذي يوحيه للإنسان ما يقرأه في كتب السير والتواريخ من أنواع الابتلاء التي تعرض لها أئمة الدين؟!
إن الجواب باختصار شديد أن أثقال الحياة لا يطيقها المهازيل، والمرء إذا كان لديه متاع ثقيل يريد نقله لم يستأجر له أطفالًا أو مرضى أو خوارين؛ إنما ينتقي له ذوي الكواهل الصلبة، والمناكب الشداد!! كذلك الحياة، لا ينهض برسالتها الكبرى، ولا ينقلها من طور إلى طور إلا رجال عمالقة وأبطال صابرون.
ليس بوسع الإنسان أن يسرد قائمة بأنواع المصائب التي تصيب الناس، وتكدر حياتهم، لكن بوسعه أن ينظر في هدي القرآن في هذا الباب، ذلك أن منهج القران الكريم في الحديث عن أنواع المصائب حديث مجمل، وتمثيل بأشهر أنواع المصائب، لكننا نجد تركيزا ظاهرًا على طرق علاج هذه المصائب، ومن ذلك:
1- هذه القاعدة التي نحن بصدد الحديث عنها: (وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) فهي تنبه إلى ما سبق الحديث عنه من أهمية الصبر والتسليم، وتعزيز الإيمان الذي فهي: يصمد لهذه المصائب.
2- ومن طرق معالجة القرآن لشأن المصائب: الإرشاد إلى ذلك الدعاء العظيم الذي جاء ذكره في سورة البقرة، يقول تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّبِرِينَ* الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) [البقرة: ١٥٥ - ١٥٦].
3- كثرة القصص عن الأنبياء وأتباعهم الذين لقوا أنواعا من المصائب والابتلاءات التي تجعل المؤمن يأخذ العبرة، ويتأسى بهم، ويهون عليه ما يصيبه إذا تذكر ما أصابهم، وعلى رأسهم نبينا وإمامنا وسيدنا محمد ﷺ.
ويتبع هذا العلاج القرآني النظر في سير الصالحين من هذه الأمة وغيرهم، ممن ابتلوا فصبروا، ثم ظفروا، ووجدوا - حقًّا - أثر الرضا والتسليم بهداية يقذفها الله في قلوبهم، وهم يتلقون أقدار الله المؤلمة والموفق من تعامل مع البلاء بما أرشد الله إليه ورسوله ﷺ ، وبما أرشد إليه العقلاء والحكماء ، ففي كلام بعضهم عبر متينة، وتجارب ثرية، فتأمل - مثلاً - إلى مقولة الإمام الجليل أبي حازم - والتي تزيح جبال الهم التي جثمت على صدور الكثيرين يقول: «الدنيا شيئان فشيء لي، وشيء لغيري، فما كان لي لو طلبته بحيلة من في السموات والأرض لم يأتني قبل أجله، وما كان لغيري لم أرجه فيما مضى، ولا أرجوه فيما بقي يمنع رزقي من غيري كما يمنع رزق غيري مني، ففي أي هذين أفني عمري ؟!).
وبعد: لماذا يتسخط بعضنا ويتوجع على حادث حصل قبل سنوات؟! ولماذا يقلب أحدنا ملف زواج فاشل قبل عقد من الزمن؟! أو صفقة تجارية خاسرة، أو أسهم بارت تجارتها؟! وكأنه بذلك يريد أن يجدد أحزانه!!
فيا كل مبتلى
اصبر على القدر المجلوب وارض به وإن أتاك بما لا تشتهي القدر
فما صفا لامري عيش يسر بـــه إلا سيتبع يومًا صفوه كدر
وأوصي في ختام هذه القاعدة بقراءة رسالة قيمة جدا، قليلة الكلمات، عظيمة المعاني، لشيخ شيوخنا العلامة الجليل الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، وعنوان رسالته: «الوسائل المفيدة للحياة السعيدة».
المصدر: قواعد قرانيه، أعدها: د. عمر بن عبد الله المقبل
©حقوق الطبع والنشر لأصحابها
