أقسام الوصول السريع ( مربع البحث )

أخر الاخبار

فَاسألُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ



(فَاسألُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)

هذه قاعدة قرآنية محكمة، لها أثرها البالغ في تصحيح سير الإنسان إلى ربه، وضبط عباداته ومعاملاته وسلوكياته، ومعرفة ما يخفى عليه أو يُشكل من أمر دينه.
وهذه القاعدة تكررت بنصها في موضعين من كتاب الله تعالى:

الموضع الأول: 

في سورة النحل، يقول تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسئلُوا أَهْلَ الذِكرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّانَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِكرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [النحل: ٤٣ - ٤٤]. 

الموضع الثاني: 

في سورة الأنبياء، يقول تعالى:( وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نوحِيَ إِلَيْهِمْ فَسَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)[الأنبياء: 7].
وكلا الآيتين جاء في سياق إرشاد الكفار المعاندين والمكذبين إلى سؤال من سبقهم من أهل الكتاب، وفي هذا الإرشاد إيماء واضح إلى أن أولئك المشركين المعاندين لا يعلمون، وأنهم جهال؛ وإلا لما كان في إرشادهم إلى السؤال فائدة.

وإذا تأملت في هذه القاعدة مع سياقها في الموضعين من سورة النحل والأنبياء،خرجت منها بأمور:

۱ - عموم هذه القاعدة فيها مدح لأهل العلم.
٢- أن أعلى أنواع هذا العلم: العلم بكتاب الله المنزل؛ فإن الله أمر من لا يعلم معاني الوحي بالرجوع إليهم في جميع الحوادث.
٣- أنها تضمنت تعديل أهل العلم وتزكيتهم، حيث أمر بسؤالهم.
٤- أن السائل والجاهل يخرج من التبعة بمجرد السؤال، وفي ضمن هذا: أن الله ائتمنهم على وحيه وتنزيله، وأنهم مأمورون بتزكية أنفسهم، والاتصاف بصفات الكمال.
ه - كما أشارت هذه القاعدة إلى أن أفضل أهل الذكر: أهل هذا القرآن العظيم؛ فإنهم أهل الذكر على الحقيقة، وأولى من غيرهم بهذا الاسم.
٦- الأمر بالتعلم، والسؤال لأهل العلم، ولم يؤمر بسؤالهم إلا لأنه يجب عليهم التعليم والإجابة عما علموه.
٧-وفي تخصيص السؤال بأهل الذكر والعلم نهي عن سؤال المعروف بالجهل وعدم العلم، ونهي له أن يتصدى لذلك.
٨-وفي هذه القاعدة دليل واضح على أن الاجتهاد لا يجب على جميع الناس؛ لأن الأمر بسؤال العلماء دليل على أن هناك أقواما فرضهم السؤال لا الاجتهاد، وهذا كما هو دلالة الشرع، فهو منطق العقل أيضًا - إذ لا يتصور أحد أن يكون جميع الناس مجتهدين.

لقد مر بنا كثيرًا في هذه القواعد، أن المقرر في علم أصول التفسير: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وهذه القاعدة التي نحن بصدد الحديث عنها - مثال لذلك، فهذه الآية وإن كان سببها خاصًا بأمر المعاندين أن يسألوا عن حالة الرسل المتقدمين لأهل الذكر - وهم أهل العلم -؛ فإنها عامة في كل مسألة من مسائل الدين: أصوله وفروعه، إذا لم يكن عند الإنسان علم منها وبها، فعليه أن يسأل من يعلمها.

وهذا من الوضوح بمكان بحيث لا يحتاج إلى استطراد، إلا أن الذي يحتاج إلى تنبيه وتوضيح هو ما يقع من مخالفة هذه القاعدة في واقع الناس، وخرق للآداب التي تتعلق بهذا الموضوع المهم.

 ومن صور ذلك:

١- أنك ترى بعض الناس حينما تعرض له مشكلة أو نازلة، واحتاج إلى السؤال عنها سأل عنها أقرب شخص يمر به، ولو لم يعلم حاله، هل هو من أهل العلم أم لا! وبعض الناس يعتمد على المظاهر، فإذا رأى من سيماه الخير ظنّ أنه من طلاب العلم أو العلماء الذين يستفتى مثلهم!
وكل ذلك غلط بين، ومخالف لما دلت عليه هذه القاعدة المحكمة:(فَاسألُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)!

ولا أدري، ماذا يصنع هؤلاء إذا مرض أحدهم؟ أيستوقفون أول مارّ عليهم في الشارع فيسألونه! أم يذهبون إلى أمهر الأطباء وأكثرهم حذقًا؟
ولا أدري ماذا يصنع هؤلاء إذا أصاب سيارته عطل أو تلف؟ أيسلمها لأقرب من يمر به؟ أم يبحث عن أحسن مهندس يتقن تصليح ما أصاب سيارته من تلف؟
إذا كان هذا في إصلاح دنياه، فإن توقيه في إصلاح دينه أعظم وأخطر!
قال مالك بن أنس رحمه الله: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم.

ومن صور مخالفة هذه القاعدة:

٢- عدم التثبت في الأخذ عن أهل الذكر حقًا؛ ذلك أن المنتسبين للعلم كثر، والمتشبهين بهم أضعاف ذلك، ومن شاهد بعض من يظهرون في الفضائيات أدرك شيئًا من ذلك؛ فإن الناس - بسبب ضعف إدراكهم، وقلة تمييزهم يظنون أن كل من يتحدث عن الإسلام فهو عالم، ويمكن استفتاؤه في مسائل الشرع ولا يفرقون بين الداعية أو الخطيب وبين العالم الذي يعرف مآخذ الأدلة، ومدارك النصوص فظهر - تبعا لذلك- ألوان من الفتاوى الشاذة، بل والغلط الذي لا يُحتمل ولا يُقبل، وكثر اتباع الهوى، وتتبع الرخص من عامة الناس، فرق تدينهم، وضعفت عبوديتهم بأسباب من أهمها فوضى الفتاوى التي تعج بها كثير من الفضائيات.

وهذا ما يجعل الإنسان يفهم ويدرك جيدًا موقع المقالات المأثورة عن السلف- رحمهم الله- في شأن الفتوى وخطورتها، وهي نصوص ومواقف كثيرة، منها:
ما رواه ابن عبد البر: أن رجلا دخل على ربيعة بن عبد الرحمن - شيخ الإمام مالك فوجده يبكي! فقال له: ما يبكيك؟ وارتاع لبكائه، فقال له: أمصيبة دخلت عليك؟ فقال: لا، ولكن استفتي من لا علم له وظهر في الإسلام أمر عظيم!
قال ربيعة ولبعض من يفتي ههنا أحق بالسجن من السراق"
علق العلامة ابن حمدان الحراني على هذه القصة فقال:
قلت: فكيف لو رأى ربيعة زماننا، وإقدام من لا علم عنده على الفتيا، مع قلة خبرته وسوء سيرته وشؤم سريرته؟! وإنما قصده السمعة والرياء، ومماثلة الفضلاء والنبلاء والمشهورين المستورين، والعلماء الراسخين والمتبحرين السابقين، ومع. هذا فهم يُنْهون فلا ينتهون، ويُنبهون فلا ينتبهون، قد أملي لهم بانعكاف الجهال عليهم، وتركوا ما لهم في ذلك وما عليهم)
والمقصود من هذا البيان الموجز: التنبيه على ضرورة تحري الإنسان في سؤاله، وأن لا يسأل إلا من تبرأ به الذمة، ومن هو أتقى وأعلم وأورع؛ فهؤلاء هم أهل الذكر حقا، الذين نصت هذه القاعدة على وصفهم بهذا: (فَاسألُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)
وختاما: فإن الحديث السابق لا يُفهم منه أبدًا أن جميع من يظهرون على الفضائيات كمن ذكروا آنفًا، بل فيمن يظهر - والله الحمد- عدد طيب من العلماء الراسخين، والشيوخ المتقنين، لكن الحديث كان منصبا على طوائف من المفتين، ليسوا على جادة أهل العلم في الفتوى وليسوا أهلا لها: (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) [محمد: ۳۰].

والله المستعان وعليه التكلان ونعوذ به تعالى أن نقول عليه، أو على رسوله ما لا تعلم.



المصدر: قواعد قرانيه، أعدها: د. عمر بن عبد الله المقبل
©حقوق الطبع والنشر لأصحابها


تعليقات




    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -