(قَدْ عَلِمَ كُلُّ أَنَاسِ مَشْرَبَهُمْ)
هذه قاعدة قرآنية محكمة، سارت مسار الأمثال، وهي أثر من آثار حكمة الله تعالى في خلقه، تعين من تدبرها على رؤية الأمور بتوازن واعتدال.
وهذه القاعدة جزء من آية كريمة في سورة البقرة وسورة الأعراف، في قصة استسقاء نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام لقومه، يقول تعالى: (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ، فَقُلْنَا أَضْرِب بَعَصَاكَ الْحَجَرَ فانفجرت مِنْهُ اثْنَتَا عَشَرَةَ عَيْنَا قَدْ عَلِم كُلُّ أُنَاسِ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ)[البقرة: ٦٠].
والمعنى الخاص الذي يتعلق بهذه الآية الكريمة: أن الله تعالى امتن على بني إسرائيل بأن جعل العيون التي انفجرت من ذلك الحجر اثنتي عشرة عينًا، بعدد قبائل بني إسرائيل، منعا للزحام، وتيسيرًا عليهم؛ ليعرف كل سبط من أسباط بني إسرائيل، فلما تحققت هذه المنة اكتملت عليهم النعمة بتنوع المآكل والمشارب من غير جهد ولا تعب، بل هو محض فضل الله ورزقه، وتمت عليهم النعمة بتنظيم أمرهم في الورود والصدور، فأصبحوا منظمين لا يبغي أحد على أحد، ولا يُنقص أحد حق أحد.
وهذا المعنى الذي دلّت عليه هذه القاعدة جاء ذكره في قاعدة أخرى، لكن بلفظ مغاير وذلك في قوله تعالى: (قُلْ كُلِّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ) [الإسراء: ٨٤]، أي على طريقته وسيرته التي اعتادها صاحبها، ونشأ عليها.
وكما أن هذا المعنى الذي دلّت عليه هذه القاعدة فقد جاءت السنة بتقريره كما في قوله ﷺ: "اعملوا، فكل ميسر لما خلق له".
والحاصل أن هذا المعنى جاءت الشريعة بتقريره بعبارات متنوعة، وجُمل مختصرة وألفاظ مختلفة، ولعلنا في هذه القاعدة نشير إلى أهم هذه التطبيقات التي حصل بسبب الإخلال بها بعض الآثار السيئة، وفات بسبب ذلك بعض المكاسب الطيبة، ذلكم هو:
أهمية معرفة الإنسان للمواهب والقدرات التي وهبه الله إياها، ليفيد في المجال الذي يناسبه ويتفق مع قدراته ومواهبه؛ إذ من المتقرر أن الناس ليسوا على درجة واحدة في المواهب والقدرات والطاقات، ولم يجتمع الكمال البشري إلا في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
فمعرفة الإنسان لما يحسنه ويتميز به مهم جدًا في تحديد المجال الذي ينطلق فيه؛ ليبدع ولينفع أمته؛ إذ ليس القصد هو العمل فحسب، بل الإبداع والإتقان.
ومن نظر في سير الصحابة رضوان الله عليهم أدرك شيئًا من دقة تطبيقهم لمعاني هذه القاعدة التي نحن بصدد الحديث عنها: (قد عَلم كُلُّ أُناسٍ مشْرَبهُمْ) فمنهم العالم المتخصص، ومنهم المعروف بالسنان ومقارعة الفرسان، وثالث يبدع في ميادين الشعر والبيان.
ومن جميل ما يُذكر في هذا المقام القصة التي رواها ابن عبد البر في «التمهيد» ذلك أن عبد الله بن عبد العزيز العمري العابد كتب إلى الإمام مالك يحضه إلى الانفراد والعمل، ويرغب به عن الاجتماع إليه في العلم، فكتب إليه مالك: «إن الله عز وجل قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجل فُتح له في الصلاة ولم يُفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة ولم يُفتح له في الصيام، وآخر فتح له في الجهاد ولم يُفتح له في الصلاة، ونشر العلم وتعليمه من أفضل أعمال البر، وقد رضيت بما فتح الله لي فيه من ذلك، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير، ويجب على كل واحد منا أن يرضى بما قسم له، والسلام.
وهذا الجواب من الإمام مالك لا يدل على علمه فحسب، بل على وفور عقله وسمو أدبه، وجودة بيانه عن هذه القضية التي تاه في تقديرها فئام من الناس.
وفي عصرنا هذا برز سجال يشبه هذا، نبه الإمام مالك على خطأ قصور النظر فيه، فإنك واجد في مقالات بعض الناس الذين نفروا للجهاد في سبيل الله عتابا ولوما لبعض العلماء المتفرغين للتعليم ونشر العلم، طالبين منهم النفير والخروج إلى الجهاد؛ لأن الجهاد أفضل الأعمال، وأنه فرض الوقت ..... في سلسلة من التعليلات التي يُصَدّرون بها هذا اللون من العتاب ويقابل ذلك - أحيانًا - عتاب آخر من قبل بعض المشتغلين بالعلم والدعوة، بلوم هؤلاء المتفرغين للجهاد، ورميهم لهم بأن كثيرا منهم ليس بعالم، ولا يفقه كثيرًا من مسائل الشرع و. في سلسلة. المآخذ كان يمكن تهذيبها وتخفيف حدتها لو تأمل الجميع هذه القاعدة وما جاء في معناها، كالقاعدة النبوية الآنفة الذكر: كل ميسر. لما خلق له».
يوضح هذا ويبينه قول النبي ﷺ: من أنفق زوجين في سبيل الله نودي في الجنة:
يا عبد الله، هذا خير فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله ما على أحد يدعى من تلك الأبواب من ضرورة فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال رسول الله ﷺ: «نعم وأرجو أن تكون منهم).
قال ابن عبد البر: وفيه: أن أعمال البر لا يُفتح - في الأغلب - للإنسان الواحد في جميعها، وأن من فتح له في شيء منها حُرم غيرها في الأغلب، وأنه قد تُفتح في جميعها للقليل من الناس، وأن أبا بكر الصديق الله. من ذلك القليل).
وفي الساحة نماذج كثيرة خسرت الأمة طاقاتهم؛ بسبب الإخلال بما دلت عليه هذه القاعدة: فهذا شاب مبدع في العلم وآتاه الله فهما وقدرةً على الحفظ، وسلك طريقه في العلم، فيأتيه من يأتيه ليقنعه بالانخراط في العمل الخيري، وكأنه - وهو في طريق الطلب - في طريق مفضول، أو عمل مرجوح
والعكس صحيح، فمن الشباب من يجتهد في طلب العلم، لكنه لا ينجح ولا يتقدم، ويعلم من حوله أنه ليس من أهل هذا الشأن، فليس من الحكمة في شيء أن يُطالب هذا الرجل وأمثاله بأكثر مما بذل، فقد دلّت التجربة على أنه ليس من أحلاس العلم، فينبغي توجيهه إلى ما يحسنه من الأعمال؛ فالأمة بحاجة إلى طاقات في العمل الخيري، والإغاثي، والاجتماعي، والدعوي.
وفيما أشرنا إليه في تنوع اهتمامات الصحابة رضوان الله عليهم ما يؤكد أهمية فهم هذه القاعدة على الوجه الصحيح؛ حتى لا نخسر طاقات نحن بأمس الحاجة إليها، خصوصًا في هذا الزمن الذي تنوعت فيه الاهتمامات، وتعددت فيه طرائق خدمة الإسلام، ونفع الناس، والموفّق من عرف ما يُحسنه، فوظفه لخدمة دينه وأمته، وفي الأثر: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه»، وكيف يتأتى الإتقان من شخص لا يحسن ما يعانيه ويعالجه؟!
هذه بعض هدايات الوحي: (قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسِ مَشْرَبَهُمْ)، (قُلْ كُلٌ يعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ)، "اعملوا؛ فكل ميسر لما خلق له" ، فهل نتدبرها ونستفيد منها؛ من أجل فاعلية أكثر لطاقاتنا؟.
المصدر: قواعد قرانيه، أعدها: د. عمر بن عبد الله المقبل
©حقوق الطبع والنشر لأصحابها
