(وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرِ يَعْلَمُهُ اللهُ)
هذه قاعدة قرآنية محكمة، وثيقة الصلة بقضية مهمة في باب الصلة مع الله، ومع عباده.
وهذه القاعدة القرآنية المحكمة، جاء ذكرها ضمن سياق آيات الحج، قال تعالى:( الْحَج أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتُ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَج وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمُهُ اللهُ وَتَزَوَدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَأُوْلِي الألباب) [البقرة: ١٩٧].
ويحسن قبل الشروع في بيان شيء من معاني هذه القاعدة، أن نوضح معنى الآية التي تضمنتها هذه القاعدة بإيجاز، فيقال:
1- لما تقرر فرض الحج، وذكرت بعض أحكامه قبل هذه الآية - فيما يخص الإتمام والإحصار - بدأ الحديث عن جملة من الآداب والأحكام، منها: النهي عن الرفث «وهو الجماع ومقدماته الفعلية والقولية، خصوصا عند النساء بحضرتهن، والفسوق وهو: جميع المعاصي، ومنها محظورات الإحرام، والجدال وهو: المماراة والمنازعة والمخاصمة، لكونها تثير الشر، وتوقع العداوة» في «لما نهاهم عن إتيان القبيح قولا وفعلا، حثهم على فعل الجميل وأخبرهم أنه عالم به، وسيجزيهم عليه أوفر الجزاء يوم القيامة».
2- وفي الإخبار بأنه ما من خير نفعله إلا وهو يعلمه سبحانه وتعالى، دلالة واضحة على أن هذا متضمن الإثابة على هذا، والحض عليه، وإلا فإنه عز وجل يعلم الخير والشر، ونظير هذه القاعدة قوله: (وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ) [البقرة: ٢٧٠].
وفي قوله تعالى (من خير) في سياق هذه الجملة الشرطية: (وَمَا تَفْعَلُوا) دليل على شمول الآية لكل خير قليلا كان أو كثيرًا.
3- ثم ختمت الآية بأمرين مهمين تضمنها قوله عز وجل:(وَتَزَوَّدُوا فَإِن خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَأولِي الألباب)، ففي قوله تعالى: (وَتَزَوَّدُوا) أي اتخذوا زادا لغذاء أجسامكم، وغذاء قلوبكم - وهذا أفضل النوعين- لقوله تعالى: (فإن خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)، فلما رغب سبحانه وتعالى في التقوى، أمر بها طلبا لخيرها فقال تعالى: (وَاتَّقُونِ يَأُولي الألباب)، وإنما خوطب أصحاب العقول بهذا الخطاب - وهم أولوا الألباب لأنهم هم الذين يدركون فائدة التقوى، وثمرتها؛ أما السفهاء فلا يدركونها.
إن هذه القاعدة الجليلة، لتربي في المؤمن معاني إيمانية وتربوية كثيرة - وهو في سيره إلى الله والدار الآخرة، ولعلنا نلخص هذه المعاني فيما يلي
أولا: في هذه الآية ترغيب وحض على إخلاص العمل الله جل وعلا، وإن لم يطلع عليه أحد، بل إن الموفق من عباد الله من يحرص كل الحرص على إخفاء العمل عن الخلق ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وفي ذلك من الفوائد والعوائد على القلب والنفس الشيء الكثير، ولابن القيم كلمات تكتب بماء الذهب في هذا المعنى، حيث يقول:
وكم من صاحب قلب وجمعية وحال مع الله، قد تحدث بها، وأخبر بها، فسلبه إياها الأغيار، فأصبح يقلب كفيه، ولهذا يوصي العارفون والشيوخ بحفظ السر مع الله، وأن لا يطلعوا عليه أحدًا، ويتكتمون به غاية التكتم، كما أنشد بعضهم في ذلك:
من سارروه فأبدى السر مجتهدا لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا
وأبعدوه فلم يظفر بقربهم وأبدلوه مكان الأنس إيحاشا
لا يأمنون مذيعًا بعض سرهم حاشا ودادِهِمُ من ذلكم حاشا
والقوم أعظم شيء كتمانا لأحوالهم مع الله، وما وهب الله لهم من محبته والأنس به، وجمعية القلب عليه، ولا سيما للمبتدئ والسالك، فإذا تمكن أحدهم وقوي، وثبتت أصول تلك الشجرة الطيبة - التي أصلها ثابت وفرعها في السماء - في قلبه بحيث لا يخشى عليه من العواصف - فإنه إذا أبدى حاله وشأنه مع الله ليقتدي به ويؤتم به؛ لم يبال، وهذا باب عظيم النفع وإنما يعرفه أهله.
ثانيا: ومن المعاني التي تربيها هذه القاعدة: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرِ يَعْلَمُهُ اللهُ) في نفوس أهلها:
راحة النفس، واطمئنان القلب، ذلك أن المحسن إلى الخلق، المخلص في ذلك لا ينتظر التقدير والثناء من الخلق، بل يجد سهولة في الصبر على نكران بعض الناس للجميل الذي أسداه، أو المعروف الذي صنعه فإنه إذا يفعل الخير ويوقن بأن ربه يعلمه علما يثيب عليه؛ هان عليه ما يجده من جحود ونكران، فضلا عن التقصير في حقه، ولسان حاله - كما أخبر الله عن أهل الجنة -: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُر جزاء ولا شكورا) [الإنسان: ٩].
أعرف رجلا مفضالا، له شفاعات ووجاهات لنفع الخلق، وابتلي بأناس نسوا جميله، وتنكروا المعروفة، بل شعر أن بعضهم طعنه من الخلف، أو قلب له ظهر طعنه المجن!
فذكرت له هذا المعنى الذي ندندن حوله ههنا فاستراح كثيرًا.
ومع ما تقدم ذكره، فإني أهدي لإخواني الذين من الله عليهم بالإحسان إلى الخلق وابتلوا بجفائهم هذا النص النفيس لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، حيث يقول في كلام طويل له حول هذا المعنى،
قال: ولا يحملنك هذا على جفوة الناس، وترك الإحسان إليهم، واحتمال الأذى منهم، بل أحسن إليهم الله لا لرجائهم، وكما لا تخفهم فلا ترجهم، وخف الله في الناس ولا تخف الناس في الله وارج الله في الناس ولا ترج الناس في الله، وكن ممن قال الله فيه:(وَسَيُجنبها الأَتقَى*الَّذِي يُؤْتِي مَا لَهُ يَتَزَكَى *وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجزى *إِلَّا ابتغاء وجه ربه الأعلى) [الليل : ۱۷ - ۲۰]، وقال فيه:( إنما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُم جَزَاء وَلَا شكورا) [الإنسان: ۹] ، وقال في موضع آخر - موصيا من يتصدى لنفع الخلق:
وإذا أحسن إلى الناس فإنما يحسن إليهم ابتغاء وجه ربه الأعلى، ويعلم أن الله قد منَّ عليه بأن جعله محسنًا، ولم يجعله مسيئا، فيرى أن عمله لله وأنه بالله، وهذا مذكور في فاتحة الكتاب (اياكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، فالمؤمن يرى أن عمله لله لأنه إياه يعبد وأنه بالله؛ لأنه إياه يستعين فلا يطلب ممن أحسن إليه جزاء ولا شكورًا؛ لأنه إنما عمل له ما عمل لله كما قال الأبرار:(إنما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاهُ ولا شكورا) [الإنسان: ٩]، ولا يمن عليه بذلك ولا يؤذيه، فإنه قد علم أن الله هو المان عليه إذ استعمله في الإحسان، وأن المنة لله عليه وعلى ذلك الشخص، فعليه هو أن يشكر الله إذ يسره لليسرى، وعلى ذلك: أن يشكر الله إذ يسر له من يقدم له ما ينفعه من رزق، أو علم، أو نصر، أو غير ذلك.
ومن الناس من يحسن إلى غيره ليَمُنَّ عليه، أو يرد الإحسان له بطاعته إليه، وتعظيمه أو نفع آخر، وقد يمن عليه فيقول: أنا فعلت بك كذا، فهذا لم يعبد الله ولم يستعنه، ولا عمل لله ولا عمل بالله، فهو المرائي، وقد أبطل الله صدقة المنان وصدقة المرائي... إلخ.
والمقصود أن من فهم ما ترشد إليه هذه القاعدة القرآنية المحكمة: (وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمُهُ الله) أقدم على فعل الخير، وسهل عليه الصبر على تقصير الخلق وجفائهم؛ لأنه لا يرجو سوى الله،
نسأل الله تعالى بمنه وكرمه أن يرزقنا فعل الخيرات، والإخلاص الله تعالى في كل ما نأتي ونذر.
المصدر: قواعد قرانيه، أعدها: د. عمر بن عبد الله المقبل
©حقوق الطبع والنشر لأصحابها
