(وَمَا اتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)
هذه من أعظم القواعد التي تعين على تعبيد القلب لرب العالمين، وتربيته على التسليم والانقياد.
وهذه القاعدة تدل دلالة واضحة - كما يقول أبو نعيم، في بيان شيء من خصائصه : «أن الله تعالى فرض طاعته على العالم فرضًا مطلقا لا شرط فيه، ولا استثناء، فقال: (وَمَا اتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) ، وقال : (مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله ) الله تعالى أوجب على الناس التأسي به قولا وفعلا مطلقا بلا استثناء، فقال: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) واستثنى في التأسي بخليله، فقال :(وقد كَانَتْ لَكُمْ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبراهيم) إلى أن قال: (إلَّا قَولَ إِبْرَاهِيمَ لأَبيه) .
ولقد دأب العلماء على الاستدلال بهذه القاعدة في جميع أبواب العلم والدين: فالمصنفون في العقائد يجعلونها أصلا في باب التسليم والانقياد للنصوص الشرعية، وإن خفي معناها، أو عسر فهمها على المكلف، قال الإمام أحمد: إذا لم نقر بما جاء عن النبي صل الله عليه سلم رددنا على الله أمره، قال الله: (وَمَا اتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا).
وفي أبواب الفقه: يعمد كثير من المفتين من الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم إلى النزع بهذه القاعدة في إيجاب شيء أو تحريمه، وإن شئت فقل: في الأمر بشيء أو النهي عنه وإليك هذه القصة التي رواها الشيخان من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، فإنه حينما حدث عنه وقال: لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله؟ قال: فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها: أم يعقوب! - وكانت تقرأ القرآن - فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنك؟ أنك لعنت الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله؟ فقال عبد الله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله، وهو في كتاب الله؟! فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته فقال: لئن كنتِ قرأتيه لقد وجدتيه! قال الله عز وجل:(وَمَا اتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)!
فقالت المرأة: فإني أرى شيئًا من هذا على امرأتك الآن! قال: اذهبي فانظري قال: فدخلت على امرأة عبد الله فلم تر شيئًا! فجاءت إليه، فقالت: ما رأيت شيئًا! فقال ابن مسعود رضي الله عنه: أما لو كان ذلك لم نجامعها ".
وهذا عبد الرحمن بن يزيد يرى محرمًا عليه ثيابه فنهر المحرم، فقال: «ائتني بآية من كتاب الله عز وجل بنزع ثيابي! فقرأ عليه: (وَمَا اتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا).
وهذه قصة أخرى - تؤكد وضوح هذا المعنى عند سلف الأمة رحمهم الله -: يقول عبد الله بن محمد الفريابي: سمعت الشافعي ببيت المقدس يقول: سلوني عما شئتم أخبركم عن كتاب الله وسنة رسوله! فقلت: إن هذا الجرئ! ما تقول أصلحك الله في المحرم يقتل الزنبور؟ فقال: نعم بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله:(وما اتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)
ويقول محمد بن يزيد بن حكيم المستملي: رأيت الشافعي في المسجد الحرام، وقد جعلت له طنافس، فجلس عليها، فأتاه رجل من أهل خراسان، فقال: يا أبا عبد الله، ما تقول في أكل فرخ الزنبور؟ فقال: حرام.
فقال: حرام؟! قال: نعم من كتاب الله وسنة رسول الله، والمعقول، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم (وما اتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا)
إن هذه القاعدة التي نحن بصدد الحديث عنها لتدل بمفهومها على ضرورة حفظ السنة، حفظها من الضياع، وحفظها في الصدور، إذ لا يتأتى العمل بالسنة إلا بعد حفظها حسًا ومعنى، قال إسماعيل بن عبيد الله: ينبغي لنا أن نحفظ حديث رسول الله ﷺ كما يحفظ القرآن لأن الله يقول:(وَمَا اتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ).
وأما الحفظ المعنوي: فإن جهود أئمة الحديث من عهد الصحابة رضي الله عنهم من تلاهم من التابعين والأئمة لا تخفى على أدنى مطلع وليس هذا مقام الحديث عن هذا الموضوع، وإنما المقصود التنبيه على أن الحفظ الذي تحقق لسنة النبي ﷺ على أيدي هؤلاء قد قام به أئمة الإسلام خير قيام فلم يبق على من بعدهم إلا حفظ ألفاظها،
والتفقه في معانيها، والعمل بمقتضاها، إذ هذا هو المقصود الأعظم من ذلك كله.
إن في الآثار التي سقت بعضها، وتركتُ كثيرًا منها، لدلالة على شمول الآية لجميع الأوامر سواء كانت واجبة أم مستحبة وشاملة لجميع النواهي -سواء كانت محرمة أم مكروهة.
ومن تأمل واقع الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - وجدهم أصحاب القدح المعلى في تلقي الأوامر والنواهي بنفوس مُسلَّمة، وقلوب مخبته، ومستعدة للتنفيذ، ولا تجد في قاموسهم تفتيشا ولا تنقيبا: هل هذا النهي للتحريم أم للكراهة؟ ولا: هل هذا الأمر للوجوب أم للاستحباب؟ بل ينفذون ويفعلون ما يقتضيه النص، فأخذوا هذا الدين بقوة، فصار أثرهم في الناس عظيما وكبيرا.
ولما طغى على الناس - في القرون المتأخرة - كثرة السؤال والتنقيب: هل هذا الأمر واجب أم مستحب؟ وهل هذا مكروه أم محرم؟ صار أخذ كثير منهم لأوامر الله ونواهيه ضعيفًا، فصار أثر التعبد الله هزيلا، والانقياد عسيرا.
إنني لا أنكر انقسام الأوامر إلى واجب ومستحب، ولا أنكر انقسام النواهي إلى محرم ومكروه، ولا ينكر أن الإنسان قد يحتاج إلى تفصيل الحال عند وقوع المخالفة ليتبين حكم الله، وما يجب عليه من كفارة ونحو ذلك، لكن الذي يؤسف عليه أن أكثر الذين يسألون عن هذا التقسيم، ليس مرادهم طلب العلم وتحرير المسائل، بل التملص والتنصل من الامتثال وإلى هؤلاء يتوجه الحديث في هذه القاعدة القرآنية المحكمة: (وَمَا اتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نهاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا).
إنني موقن أن من ربى نفسه على ترك كل ما يُنهى عنه، وفعل كل ما يستطيعه من الأوامر، من غير تنقيب عن حال هذا النهي أو ذاك الأمر، بل يبادر تعبدا الله تعالى بتعظيم الأمر والنهي؛ فإنه سيجد لذة عظيمة في قلبه، إنها لذة العيش في كنف العبودية، وظل الاستكانة والاستجابة والخضوع الله رب العالمين.
ومن أعظم دلالات هذه القاعدة أنها ترد على أولئك الذين يزعمون الاكتفاء بالقرآن فقط في تطبيق أحكام الشريعة، فها هو القرآن ذاته يأمر باتباع الرسول ﷺ ولن يكون ذلك إلا باتباع سنته، بل كيف يتأتى للإنسان أن يصلي، أو يزكي، أو يصوم، أو يحج بمجرد الاقتصار على القرآن؟!
المصدر: قواعد قرانيه، أعدها: د. عمر بن عبد الله المقبل
©حقوق الطبع والنشر لأصحابها
