(ان الحسناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ)
هذه قاعدة قرآنية محكمة، يحتاجها كل مؤمن وعلى وجه الخصوص من عزم على الإقبال على ربه، وقرع باب التوبة.
وهذه القاعدة هي جزء من آية كريمة في سورة هود، يقول الله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ الَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) [هود: ١١٤]، وهذه الآية الكريمة سبقت بجملة من الأوامر العظيمة للنبي ﷺ ولأمته، يحسن ذكرها ليتضح الربط بينها، يقول تعالى: ( فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغو إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسكُمُ النَّارُ وَمَا لكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ) [هود: ۱۱۲ - ۱۱۳].
ومعنى الآية - التي تضمنت هذه القاعدة باختصار: أن الله تعالى يخاطب نبيه وهو خطاب للأمة كلها - بأن يقيموا الصلاة طرفي النهار، وساعات من الليل ينصب فيها قدميه الله تعالى، ثم علّل هذا الأمر فقال: (إنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) أي يمحونها ويكفرنها حتى كأنها لم تكن على تفصيل سيأتي بعد قليل إن شاء الله والإشارة بقوله: (وذلِكَ ذِكْرَى لِلذاكرين) إلى قوله: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ)، وما بعده،
وقيل: إلى القرآن ذكرى للذاكرين: أي موعظة للمتعظين".
وكما أن هذه القاعدة صرحت بهذا المعنى، وهو إذهاب الحسنات للسيئات، فقد جاء في السنة ما يوافق هذا اللفظ تقريبا، كما في الحديث الذي رواه الترمذي وحسنه " من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله ﷺ: اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن.
إذا تبين معنى هذه القاعدة بإجمال، فليعلم أن إذهاب السيئات يشمل أمرين:
١- إذهاب وقوعها وحبها في النفس، وكرهها، بحيث يصير انسياق النفس إلى ترك السيئات سَهْلًا وهيّنًا كقوله تعالى: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَهُ إِلَيْكُمُ الكَفَرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ) [الحجرات: 7]، ويكون هذا من خصائص الحسنات كلها.
٢ ويشمل أيضًا محو إثمها إذا وقعت، ويكون هذا من خصائص الحسنات كلها، فضلًا من الله على عباده الصالحين).
ولقد بحث العلماء ههنا معنى السيئات التي تذهبها الحسنات، والذي يتحرر في الجمع بين، أقوالهم إن يقال:
إن كانت الحسنة هي التوبة الصادقة، سواء من الشرك، أو من المعاصي، فإن حسنة التوحيد، والتوبة النصوح لا تبقي سيئة إلا محتها وأذهبتها، قال تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثاما* يُضَاعَفَ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِياَمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا* إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فأولئك يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رحِيمًا * وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ، يَتوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ) [الفرقان: ٦٨-٧١]
وفي صحيح مسلم من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي ﷺ جاءه يبايعه على الإسلام والهجرة: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ وأن الحج يهدم ما كان قبله؟)
وإن كان المراد بالحسنات عموم الأعمال الصالحة كالصلاة والصيام، فإن القرآن والسنة دلّا صراحةً على أن تكفير الحسنات للسيئات مشروط باجتناب الكبائر، قال تعالى:(إن تَجتَنِبُوا كَبَائرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُدْخَلا كَرِيمًا) [النساء: ۳٠]، وقال: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كبائرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللمم).
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر.
لقد جاء معنى هذه القاعدة الجليلة: (إنَّ الحَسَناَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) في القرآن الكريم على صور منها:
١- في سياق الثناء على أهل الجنة قال تعالى :(ويدرءونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) .
قال ابن عباس رضي الله عنه - في بيان معناها: يدفعون بالصالح من العمل السيئ من العمل.
علق البغوي على كلمة ابن عباس، فقال: «وهو معنى قوله: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ).
٢- إثبات هذا المعنى في الأمم السابقة، قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتاَبِ امَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَرْنَا عَنْهُمْ سَيَاتِهِمْ ولأدخلناهم جَنَّتِ النَّعِيمِ) [المائدة: ٦٥].
٣- إثباته في سياق الحديث عن توبة العصاة كما في آية الفرقان التي ذكرتها قبل قليل: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَ اخَرَ ....) إلى قوله: فأولئك يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَناَتٍ ...) الآيات [الفرقان: ٦٨-٧١].
*من تطبيقات هذه القاعدة:
إن الأمثلة التطبيقية التي توضح وتؤكد معنى هذه القاعدة المحكمة:( إن الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) لكثيرة جدًّا، لكن لعلنا نذكر بعضها تنبيها على باقيها، وأول ما نبدأ به من الأمثلة هو ما ذكره ربنا في الآية الكريمة التي: تضمنتها هذه القاعدة، وهو:
1- إقامة الصلاة طرفي النهار - وهو مبتدأه ومنتهاه، وساعات من الليل، ولا ريب أن أول ما يدخل في هذه الصلوات الخمس، كما يدخل فيها: بقية النوافل كالسنن الرواتب وقيام الليل.
وإذا كانت هذه الآية الكريمة تدل على أن الصلوات المفروضات والنوافل من أعظم الحسنات الماحية للسيئات، فإن السنة صرحت بهذا - كما تقدم - بشرط اجتناب الكبائر.
فليبشر الذين يحافظون على صلواتهم فرضها ونفلها بأنهم من أعظم الناس حظا- من هذه القاعدة القرآنية: (إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ)، ويا تعاسة وخسارة من فرطوا في فريضة الصلاة!!
2- ومن تطبيقات هذه القاعدة، ما رواه الشيخان من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: أن رجلا أصاب من امرأة قبلةً، فأتى النبي ﷺ فأخبره؛ فأنزل الله (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ الَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) فقال الرجل: يا رسول الله ألي هذا ؟! قال: «بل الجميع أمتي كلهم».
3- قصة توبة القاتل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا - وهي في الصحيحين- وهي قصة مشهورة جدا، والشاهد منها، أنه لما انطلق من أرض السوء إلى أرض الخير: «أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فقالت ملائكة الرحمة جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرا قط، فأتاه ملك في صورة آدمي، فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرْضَين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة».
فإلى كل من أسرف على نفسه، وقنّطه الشيطان من رحمة ربه، لا تيأسن ولا تقنطن، فهذا رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا، فلما صحت توبته، رحمه ربه ومولاه، مع أنه لم يعمل خيرا قط من أعمال الجوارح سوى هجرته من بلد السوء إلى بلد الخير، أفلا تحرك فيك هذه القصة الرغبة في هجرة المعاصي والإقبال على من لا سعادة ولا أنس إلا بالإقبال عليه؟!
وتأمل في هذه الكلمة المعبرة، التي قال الحسن البصري: «استعينوا على السيئات القديمات بالحسنات الحديثات، وإنكم لن تجدوا شيئا أذهب بسيئة قديمة من حسنة حديثة، وأنا أجد تصديق ذلك في كتاب الله: (إنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ).
اللهم ارزقنا حسناتِ تذهب سيئاتنا وتوبة تجلو أنوارها ظلمة الإساءة والعصيان.
المصدر: قواعد قرانيه، أعدها: د. عمر بن عبد الله المقبل
©حقوق الطبع والنشر لأصحابها
