(فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)
هذه قاعدة قرآنية، وكلمات جامعة تضمنتها هذه القاعدة التي تمثل أصلا من أصول العدل، والجزاء والحساب.
وهذه القاعدة القرآنية المحكمة جاءت في سورة الزلزلة التي تتحدث عن شيء من أهوال ذلك اليوم العظيم الذين تشيب لهوله الولدان، فتختم السورة بهذه القاعدة التي نحن بصدد الحديث عنها وتأتي مصدرة بفاء التفريع، فقال سبحانه: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ *وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) تفريعا على قوله: (ليروا أَعْمَلَهُمْ) ليتيقن المحسنون بكمال رحمة الله، والمسيئون بكمال عدله عز وجل!
إن من أعظم ما يجلي كون هذه الآية من جوامع المعاني، ومن قواعد القرآن المحكمة، أن النبي ﷺ لما ذكر أقسام الخيل وأنها ثلاثة، وفصل ذلك بتفصيل طويل، ثم سئل ﷺ عن الحمر -وهي جمع حمار - فقال: ما أنزل عليَّ في الحُمُر شيء إلا هذه الآية الفاذة الجامعة: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ* وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًا يَرَهُ)
ومعنى جوابه ﷺ: أنها آية منفردة في عموم الخير والشر ولا أعلم آية أعم منها؛ لأنها تعم كل خير وكل شر.
وعلى هذا الفهم العام لهذه الآية الكريمة، سار الصحابة رضي الله عنهم في فهمهم الذي تعلموه من النبي ﷺ ومن ذلك:
* أن عائشة جاءها سائل فسأل! فأمرت له بتمرة، فقال لها قائل: يا أم المؤمنين إنكم لتصدّقون بالتمرة؟! قالت نعم والله إن الخلق كثير ولا يشبعه إلا الله، أوليس فيها مثاقيل ذر كثيرة؟!
*وعنها رضي الله عنها أن سائلا جاءها، فقالت لجاريتها أطعميه فوجدت تمرة فقالت: أعطيه إياها، فإن فيها مثاقيل ذر إن تُقبلت!
*وروي أن عمر رضي الله عنه أتاه مسكين - وفي يده عنقود من عنب فناوله منه حبة وقال فيه مثاقيل ذر كثيرة!
تعلموه من النبي، ومن ذلك
وقد روي نحو هذا عن أبي ذر، وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم أجمعين.
وإذا كان هذا المعنى في باب احتساب النفقة، فثمة معنى آخر يتفطن له أرباب القلوب الحية، وهو: الخوف من تبعة، السيئات، فقد أخرج ابن أبي شيبة عن الحارث ابن سويد: أنه قرأ (وإذَا زُلْزِلَتِ) حتى بلغ (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ)
قال: إن هذا الإحصاء شديد.
وفي السنة الصحيحة من الأمثال والقصص ما يبين بجلاء معنى هذه القاعدة العظيمة: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شرا يره) ولعلي أكتفي في هذا المقام بهذين الحديثين اللذين لن تتضح الصورة إلا بهما جميعا:
أما الحديث الأول فهو قوله ﷺ: بينما كلب يطيف بركية - بئر - قد كاد يقتله العطش، إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقها خفها فاستقت له به فسقته إياه فغفر لها به.
وأما الحديث الآخر: فهو الحديث المتفق عليه، الذي يخبر فيه النبي ﷺ عن امرأة دخلت النار في هرة ربطتها فلا هي أطعمتها ولا. أرسلتها تأكل من خشاش الأرض، حتى ماتت هزلا.
وقد عقب الإمام الكبير محمد بن شهاب الزهري - بعد ما روى حديث الهرة-: ذلك لئلا يتكل رجل، ولا ييأس رجل»، وهذا هو الشاهد الذي ينبغي أن نتأمله ههنا: فتأمل - أيها المؤمن - كيف جاء هذان الحديثان ليفسرا لنا عمليا هذه القاعدة: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًا يره) فتلك المرأة التي لم يذكرها النبي ﷺ بأنها عابدة! أو صائمة! بل لم يذكرها إلا بالبغاء! ومع هذا فقد نفعها هذا العمل وأي عمل هو؟ إنه سقي حيوان من أنجس الحيوانات (الكلب)! ولكن الرب الرحيم الكريم لا تضيع عنده حسنة، بل كما قال عز وجل:( إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تك حَسَنَةَ يُضَاعِفَهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء: ٤٠].
وفي الحديث الثاني: لم يذكر النبي ﷺ سببا أدخلها النار غير حبسها الحيوان صغير لا يؤبه له!
كل هذا ليتحقق المؤمن معنى هذه القاعدة المحكمة:(فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ* وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًا يَرَهُ)، وبه يتبين دقة كلام الإمام الزهري: حين علق على هذا الحديث بقوله الآنف الذكر: ذلك لئلا يتكل رجل، ولا ييأس رجل».
إن من أعظم توفيق الله تعالى لعبده أن يعظم الله، ومن أظهر صور تعظيم الرب جل وعلا: تعظيم أمره ونهيه، وإجلال الله عز وجل وتوقيره، فلا يحقرن صغيرة من الذنوب مهما صغر الذنب في عينه؛ لأن الذي عصي هو الله عز وجل، كما قال بلال بن سعد رحمه الله: "لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر من عصيت".
وتأمل مقولة الإمام الجليل عون بن عبد الله رحمه الله حينما قرأ قوله تعالى:(ووضع الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا ويلتنا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ) [الكهف: ٤٩]: «ضج - والله - القوم من الصغار قبل الكبار » ، فمن كان قلبه حيا تأثر بأي معصية، كالثوب الأبيض الذي يؤثر فيه أي دنس وإلا فإن العبد إذا لم يجد للذنوب أثرًا - وإن كانت من الصغائر - فليتفقد قلبه، فإنه على شفا خطر! ولا بن الجوزي رحمه الله
كلمات نفيسة في هذا الموضوع في كتابه: صيد الخاطر.
ولهذا لما قالت عائشة للنبي ﷺ حسبك من صفية كذا وكذا! - تعنى قصيرة فقال: «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته. رواه أبو داود والترمذي وصححه
وأما عدم زهد المؤمن في أي عمل صالح - وإن ظنّه صغيرًا - فلأنه لا يدري ما العمل الذي يدخله الجنة ؟! قال: "لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق".
ولما سأل أبو برزة رضي الله عنه نبينا ﷺ فقال: يا نبي الله! علمني شيئا أنتفع به! قال: اعزل الأذى عن طريق المسلمين). وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق فقال: والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم فأدخل الجنة).
فتأمل - يا عبد الله - كم يحتقر كثير من الناس أمثال هذه الأعمال اليسيرة!
کم نمر في يومنا بغصن؟ أو بحجر؟ أو زجاجة منكسرة؟ فربما تكاسلنا عن إزالتها كسلا في أمثال هذه الأعمال التي هي من أسباب دخول الجنة، وأرشد إليها بعض أصحابه!
ولو أردت أن تفتش في حياتنا اليومية لو جدت فيها عشرات الأمثلة من الأعمال اليسيرة، التي لو جمعت لشكلت سيلا من الحسنات دمعة يتم تمسحها، أو جوعة فقير تسدها، أو مساعدة عاجز، أو ابتسامة في وجه مسلم، في عدد من الأعمال لا يمكن حصرها، فما أحرانا أن نكون سباقين إلى كل خير، وإن دق في أعيننا، متذكرين هذه القاعدة العظيمة: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ).
نسأل الله تعالى أن يضاعف لنا الحسنات، وأن يتجاوز عن السيئات، وأن ييسر لنا الخير، ويعيذنا من موارد الشر.
المصدر: قواعد قرانيه، أعدها: د. عمر بن عبد الله المقبل
©حقوق الطبع والنشر لأصحابها
