أقسام الوصول السريع ( مربع البحث )

أخر الاخبار

ومن يتوكل على الله فهو حسبه







(وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)


هذه قاعدة قرآنية وقاعدة إيمانية، تمتد جذورها في قلوب الموحدين في غابر الزمان وحاضره، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ومعنى هذه القاعدة ظاهر بيّن فإنها تدل على أن من توكل على ربه ومولاه في أمر دينه ودنياه، بأن يعتمد على الله في جلب ما ينفعه ودفع ما يضره، وفعل ما أمر به
من الأسباب، مع كمال الثقة بتسهيل ذلك، وتيسيره (فَهُوَ حَسبُهُ) أي: كافيه الأمر الذي توكل عليه به ".

إن هذه القاعدة القرآنية: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) جاءت في سياق الحديث عن آيات الطلاق في سورة الطلاق لبيان جملة من المبشرات التي تنتظر من طبق شرع الله في أمر الطلاق، فقال عز وجل:( فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمَّسكوهن بمعروف أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَدَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ، مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسبهُ إِنَّ اللَّهَ باَلِغُ أَمْرِهِ، قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ) [الطلاق: ٢ - ٣].

وأما مناسبة مجيء هذا المعنى بعد ذكر هذه الأحكام المتعلقة بالطلاق، فلعل السر - والله أعلم - هو تضمنها للتحذير والتطمين!

أما التحذير: فهو متجه لكل واحد من الزوجين اللذين قد تسول له نفسه مجاوزة حدود الله تعالى في أمر الطلاق، سواء فيما يتعلق بالعدة، أو النفقة، أو غير ذلك، خصوصا وأن النفوس حال الطلاق قد تكون مشحونةً، وغير منضبطة في تصرفاتها غالبًا، وقد تتصرف بما تمليه حالة الغضب، بلا تجرد ولا إنصاف!

وأما التطمين: فهي لمن صدق مع الله في تطبيق شرع ربه في أمر الطلاق، وأنه وإن كيد به أو له، فإن الله معه، وناصره، وحافظ حقه، ودافع كيد من يريد به كيدا، والله أعلم بمراده.

ومع أن هذه القاعدة وردت في سياق آيات الطلاق - كما أسلفت - إلا أن معناها أعم وأشمل من أن يختصر في هذا الموضوع، وآيات القرآن الكريم طافحة بالحديث عن التوكل، وفضله والثناء على أهله، وأثره على حياة العبد.

وقبل الإشارة المجملة إلى ذلك يحسن التذكير بأن النصوص دلّت على أن من كمال التوكل فعل الأسباب، وهذا بين ظاهر، لكن ينبه عليه؛ لأن بعض الناس قد يظن خطأ - أن التوكل يعني تعطيل الأسباب وهذا غلط بين، ومن تأمل قصة موسى عليه السلام لما واجه البحر، وقصة مريم عليها السلام لما ولدت، وغيرهم من الأولياء والصالحين، يجد أنهم جميعًا أُمروا بفعل أدنى سبب، فموسى أمر بضرب الحجر، ومريم أُمرت بهز الجذع، وما أحسن ما قيل:

الالتفات إلى الأسباب بالكلية شرك منافٍ للتوحيد، وإنكار أن تكون أسبابًا بالكلية قدح في الشرع والحكمة، والإعراضُ عنها - مع العلم بكونها أسبابا - نقصان في العقل وتنزيلها منازلها ومدافعة بعضها ببعض، وتسليط بعضها على بعض، هو محض العبودية والمعرفة وإثبات التوحيد والشرع والقدر والحكمة.

إن التوكل على الله عز وجل المطلوب في كلّ شئون الحياة، بيد أن هناك مواطن كثيرة ورد فيها الحضّ على التوكل والأمر به للمصطفى صل الله عليه وسلم والمؤمنين! ورسائل القرآن تقول:

1 - إن طلبتم النصر والفرج فتوكلوا عليه (إن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخذُ لَكُمْ فَمَن ذَا الَّذِى يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) [آل عمران: ١٦0[

2- إذا أعرضت عن أعدائك فليكن رفيقك التوكُل: (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) [النساء:۸۱].

3- إذا أعرض عنك الخلق فتوكل على ربك: (فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) [التوبة: ١٢٩].

4- إذا طلبت الصلح والإصلاح بين قوم لا تتوسل إلى ذلك إلا بالتوكل (وان جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَأَجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) [الأنفال: ٦١].

5- إذا وصلت قوافل القضاء فاستقبلها بالتوكل: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كتب الله لَنَا هُوَ مَوْلَنَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَلِ الْمُؤْمِنُونَ) [التوبة: ٥١].

6- وإذا نصبت الأعداء حبالات المكر فادخل أنت في أرض التوكل: (واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه ياقوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت) [يونس: ٧١]

7- وإذا عرفت أنّ مرجع الكلّ إلى الله وتقدير الكل فيها الله؛ فوطن نفسك على فرش التوكل: (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) [هود: ۱۲۳].

8- وإذا علمت أنّ الله هو الواحد على الحقيقة، فلا يكن اتكالك إلا عليه: (قل هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابٍ) [الرعد: ٣٠].

9- وإذا كانت الهداية من الله، فاستقبلها بالشكر والتوكل: (وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَننَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا ءَاذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكَّلُونَ) [إبراهيم: ١٢].

10- وإذا خشيت بأس أعداء الله، والشيطان والغُدّارَ فلا تلتجئ إلا إلى باب الله: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَنَّ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) [النحل: ٩٩]

11- وإذا أردت أن يكون الله وكيلك في كل حال، فتمسك بالتوكل في كل حال (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) [النساء: ۸۱].

12- وإذا أردت أن يكون الفردوس الأعلى منزلك فانزل في مقام التوكل (الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) [النحل: ٤٢].

13- وإن شئت أن تنال محبة الله فانزل أولا في مقام التوكل: (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) [آل عمران: ١٥٩].

14- وإذا أردت أن يكون الله لك، وتكون الله خالصا فعليك بالتوكل:( وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)، (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ) [النمل: ٧٩]

وقبل أن نختم حديثنا عن هذه القاعدة القرآنية: أود أن أنبه إلى ما ذكره العلامة ابن القيم رحمه الله من أن كثيرًا من المتوكلين يكون مغبونا في توكله!

وبيان ذلك كما يقول: أنك ترى بعض الناس يصرف توكله إلى حاجة جزئية استفرغ فيها قوة توكله، مع أنه يمكنه نيلها بأيسر شيء، وفي المقابل ينسى أو يغفل عن تفريغ قلبه للتوكل في زيادة الإيمان والعلم ونصرة الدين، والتأثير في العالم خيرا، فهذا توكل العاجز القاصر الهمة، كما يصرف بعضهم همته وتوكله ودعاءه إلى وجع يمكن مداواته بأدنى شيء، أو جوع يمكن زواله بنصف رغيف، أو نصف درهم، ويدع صرفه إلى نصرة الدين، وقمع المبتدعين، وزيادة الإيمان ومصالح المسلمين.

وههنا ملحظ مهم يستفاد من كلامه رحمه الله: وهو أن الواحد منا - في حال نشاطه وقوة إيمانه قد يقع منه نسيان وغفلة عن التوكل على الله؛ اعتمادًا على ما في القلب من قوة ونشاط، وهذا غلط ينبغي التنبه إليه، والحذر منه، ومن تأمل في أدعية النبي صل الله عليه وسلم وجده دائم الافتقار إلى ربه، ضارعًا إلى ربه ألا يكله إلى نفسه طرفة عين، حتى ربى أمته على هذا المعنى في شيءٍ قد يظنه البعض بسيطاً أو سهلا، وهو أن يقولوا: «لا حول ولا قوة إلا بالله عند سماع المؤذن في الحيعلتين!".

وقد أجمع العلماء على أن التوفيق: ألّا يكل الله العبد إلى نفسه، وأن الخذلان كل الخذلان أن يخلى بينه وبين نفسه

اللهم إنا نبرأ من كل حول وقوة إلا من حولك وقوتك، ونعوذ بك أن نوكل إلى أنفسنا طرفة.





المصدر: قواعد قرانيه، أعدها: د. عمر بن عبد الله المقبل

©حقوق الطبع والنشر لأصحابها

تعليقات




    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -