هذا حالي أنا المعلم .
قلت لصديق لي أديب : إني لأقرا لك منذ عشر سنوات ، فما رأيتك أسففت إسفافك في هذه الأيام ، وإني لأشك أأنت تكتب ما تكتبه ، أم يجري به قلمك وأنت نائم ، فتأخذه فتضع عليه اسمك ؟ فماذا عراك أيها الصديق فأضاع بلاغتك ومحا آيتك ؟
قال : دعني يا فلان دعني ، فإن سراج حياتي يخبو ، وشمعتي تذوب ، وما أخالني إلا ميتا عما قريب ، أو دائرا في الأسواق مجنونا ، بعث رأسي وقلبي برغيف من الخبز .
قلت :لا عليك أيها الرجل وأخبرني ما بك ، فلقد والله أرعبتني .
قال : وماذا بي إلا أني معلم ، إني معلم في مدرسة ابتدائية ، نهاري نهار المجانين ، وليلي ليل القتلى ، فمتى أفكر ، ومتى أكتب ، وأنا أروح العشية إلى البيت مهدود الجسم ، مصدوع الرأس ، جاف الحلق ، فلا أستطيع أن أنام حتى أقرأ مئة حماقة ، وأصحح مئة كراسة ، فأعمي عيني بقرائتها ، والإشارة إلى خطئها ، وبيان صوابها ، وتقدير درجاتها ، فإذا انتهيت من هذا كله - ولا يقرأ تلميذ من كل هذا شيئا ، ولا ينظر فيه - عمدت إلى دفتر تحضير الدروس ، وهو الموت الأحمر ، والبلاء الأزرق ، فكتبت فيه ما أنا فاعل غدا في الفصل ، لحظة لحظة ، وماذا أنا قائل من كلمة ، أو مقرر من قاعدة ، أو ضارب من مثل ، حتى إذا بلغت آخر كلمة فيه ، استنفدت أو ضارب من مثل ، حتى إذا بلغت آخر كلمة فيه ، استنفدت آخر قطرة من ماء حياتي ، فسقطت في مكاني قتيلا ، فحملت إلى السرير حملا ، فنمت نوما مضطربا تملؤه الأحلام المزعجة ، فأحس كأن أمامي ركام الدفاتر التي سأصححها غدا ، فلا أنجز منها حتى أبصر المفتش يتكلم من فوق المآذن فلا يدع قاعدة من قواعد التربية ، ولا نظرية من نظريات التعليم ظهرت في فرنسا أو إنكلترا ، إلا أراد عليّ تطبيقها ، في فصل فيه سبعون تلميذا قد حشيت بهم المقاعد حشوا ، وصفوا على الشبابيك ، ووضعوا على الرفوف ، مما لا يرضى عنه منهج من مناهج التربية ، ولا قانون من قوانين الصحة ، فإذا انمحت هذه الصورة ، رأيت كأني أفهم تلميذا وهو يصغي إلى ولا يفهم ، فأكرر وأعيد فلا يفهم ، فأقوم إليه أنظر ما يصنع ، فإذا هو منصرف إلى دبيرة ( زلقطة ) يربط رجلها بخيط ، فإذا شتمته أو أخرجته من الفصل ، ذهب يستنجد القانون فينجده القانون الذي حرم العقوبات كلها ، وكف يد المعلم ، ولا أزال في هذه الأحلام تنوء بي ، فأتقلب من جنب إلى جنب ، أحس كأن رأسي من الصداع بثقل أحد ، حتى يصبح الله بالصباح ، فأفيق مذعورا أخشى أن يسبقني الوقت ، فلا أدري كم ركعت وكم سجدت ، ولا كيف أكلت ولبست ، وأهرول إلى المدرسة لا أستطيع التأخر ولو طحنتني الأوجاع ، أو أحرقتني الحمى ، لأن المعلم لا يسمح له القانون أن يمرض في ايام المدرسة وعنده أربعة أشهر ( عطلة الصيف ) يستطيع أن يمرض فيها ، فإذا خالف ومرض ، حرم الراتب ومنع العطاء ( كان هذا قانون تلك الأيام ) !
أغدو إلى المدرسة ، فأدخل على تلاميذ السنة الثالثة الأولية ، وهؤلاء هم تلاميذي ، لم يجدوني أهلا لأكبر منهم ، فلا أنفك أقطع من عقلي لأكمل عقولهم ، و أمزق نفسي لأرقع نفوسهم ، ثم لا أفلح في تعليمهم ولا أنجح في تفهيمهم ، ولا أدري من أين السبيل إلى مداركهم ، فأنفق ساعة كاملة ، أقلب أوجه القول ، واستقري عبارات اللغة ، لأفهمهم كيف يكون ( الاسم هو الكلمة التي تدل على معنى مستقل في الفهم وليس الزمن جزءا منه ) فلا يفهمون من ذلك شيئا ، ولا أقدر أن أطرح هذا التعريف السخيف أو أستبدل به ، فهذه ساعة ثم أقول : من فهم ؟ فيرفع ولد إصبعه . فأحمد الله على أن واحد قد فهم ، واقول : قم يابني بارك الله فيك ، فأخبرني عن معنى هذا التعريف ، فيقول : يا أستاذ هذا داس قدمي ، فأصيح به : ويحك !! إني أسألك عن تعريف الاسم ، فلماذا تضع فيه قدمك ؟ ألم أقل لكم أن هذه الشاوي ممنوعة أثناء الدرس ؟ فيقول : ولماذا يدوس هو على رجلي ! ؟ فأصيح بالآخر : لم دست على رجله ؟ فيقول : والله لقد كذب ، مادست على رجله ولكن هو الذي عضني في أذني . فأغضب واصرخ في وجه : وكيف يعضك وأنا قاعد هنا ؟ فيقول : ليس الآن ، ولكنه عضني أمس ، ويتطوع العفاريت الصغار للشهادة للمدعي والمدعى عليه ، ويزلزل الفصل ، فاضرب المنصة بالعصا ، وأسكنهم جميعا مهددا من يتكلم بأقسى العقوبات ، ولا أدري أنا ما أقسى العقوبات هذه ، فيخنسون ويبلسون فأعود إلى الدرس فإذا هو قد طار من رؤوسهم ، على أنه ما استقر فيها قط !
وينفخ في الصور ، فتقوم القيامة ، ويخرج الأولاد إلى الفرصة ، ثم ترجع إلى درس آخر ، ودواليك ، ولا أزال في هذا البلاء بياض نهاري ، ولا يأتي المساء وفي بقية عقل ، أو أثر من قوة ، ثم لا أنا أرضيت الوزارة ، ولا أنا نفعت أبناء المسلمين ، ولا أنا انصرفت إلى مطالعاتي وكتاباتي .
وهذه مكتبتي لم أدخلها منذ أول العام الدراسي ، وهذه مشروعات المقالات والبحوث التي أكتبها ، وهذه مسودات الكتاب الجديد الذي ألفه مبثوثة في جوانب الغرفة ، ضائعة مهملة ، أفتلومني بعد ، على أني لا أجود في هذه الأيام ؟ قلت : هذه والله حالي فلست ألومك ، فرج الله عني وعنك !
المصدر: 30 قصة ملهمة للمعلمين والمعلمات ، د.عصام عبداللطيف الفليج
©حقوق الطبع والنشر لأصحابها.
