تحريم الغلو
الغلو في الصالحين هو سبب الشرك بالله تعالى، فقد كان الناس منذ أهبط آدم صلى الله عليه وسلم إلى الأرض على الإسلام، قال ابن عباس رضى الله عنهما: " كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام " أخرجه الحاكم في المستدرك.
تعلق الناس بالصالحين، ودب الشرك في الأرض، فبعث الله نوحا صلى الله عليه وسلم يدعو إلى عبادة الله وحده، وينهى عن عبادة ماسواه، وردّ عليه قومه: (وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا) سورة نوح.
وهذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونُسِيَ العلم عُبِدت " أخرجه البخاري.
وهذا سببه الغلو في الصالحين ، فإن الشيطان يدعو إلى الغلو في الصالحين وإلى عبادة القبور ، ويلقي في قلوب الناس أن البناء والعكوف عليها من محبة أهلها من الأنبياء والصالحين ، وأن الدعاء عندها مستجاب ، ثم ينقلهم من هذه المرتبة إلى الدعاء بها والإقسام على الله بها ، وشأن الله أعظم من أن يسال بأحد من خلقه ، فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم إلى دعاء صاحب القبر وعبادته وسؤاله الشفاعة من دون الله ، واتخاذ قبره وثنا تعلق عليه الستور ، ويطاف به ، ويستلم ويقبل ، ويذبح عنده ، ثم ينقلهم من ذلك إلى مرتبة رابعة " وهي دعاء الناس إلى عبادته واتخاذه عيدا ، ثم ينقلهم إلى أن من نهى عن ذلك فقد تنقص أهل هذه الرتب العالية من الأنبياء والصالحين ، وعند ذلك يغضبون .
ولهذا حذر الله عباده من الغلو في الدين، والإفراط بالتعظيم بالقول أو الفعل أو الاعتقاد، ورفع المخلوق من منزلته التي أنزله الله تعالى، كما قال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ) سورة النساء.
حذر رسو الله عن الإطراء فقال: " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله " أخرجه البخاري.
وقال: " إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين " أخرجه النسائي.
وحذر صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ المساجد على القبور، لأن عبادة الله عند قبور الصالحين وسيلة إلى عبادتهم، ولهذا لما ذكرت أم حبيبة وأم سلمة رضى الله عنهما لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة في الحبشة فيها تصاوير قال: " إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة " أخرجه البخاري.
وحذر صلى الله عليه وسلم أمته عن اتخاذ قبره وثنا يعبد من دون الله، ومن باب أولى غيره من الخلق، فقال: اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " الموطأ للأمام مالك.
ولعن صلى الله عليه وسلم من اتخذ المساجد على القبور، لينفر عن هذا الفعل، فعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج " أخرجه النسائي.
ولم يترك صلى الله عليه وسلم بابا من أبواب الشرك التي توصل إليه إلا سده، قال صلى الله عليه وسلم: " لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها “. أخرجه مسلم.
بين صلى الله عليه وسلم أن القبور ليست مواضع للصلاة، وأن من صلى عليه وسلم فستبلغه صلاته سواء كان بعيدا عن قبره أو قريبا، فلا حاجة لا اتخاذ قبره عيدا: (لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم " أخرجه أبو داود.
وقال صلى الله عليه وسلم: " إن الله ملائكة سياحين في الأرض يبلغونني من أمتي السلام " أخرجه النسائي.
وإذا كان قبر النبي صلى الله عليه وسلم أفضل قبر على وجه الأرض وقد نهى عن اتخاذه عيدا، فغيره أولى بالنهي كائنا من كان
وكان صلى الله عليه وسلم يطهر الأرض من وسائل الشرك، فيبعث بعض أصحابه إلى هدم القباب المشرفة على القبور، وطمس الصور، فعن ابي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ " ألا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته " أخرجه مسلم.
وكما سد صلى الله عليه وسلم كل باب يوصل إلى الشرك فقد حمى التوحيد عما يقرب منه ويخالطه من الشرك وأسبابه، فقال صلى الله عليه وسلم: " لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى “. أخرجه البخاري.
فدخل في هذا النهي شد الرحال لزيارة القبول والمشاهد، وهو الذي فهمه الصحابة رضى الله عنه من قول النبي صلى الله عليه وسلم لهذا عندما ذهب أبو هريرة رضى الله عنه إلى الطور، فلقيه بصرة بن أبي بصرة الغفاري، فقال: من أين جئت؟ قال: من الطور. فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه، ما خرجت إليه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد ..." أخرجه النسائي.
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " وقد اتفق الأئمة على أنه لو نذر أن يسافر إلى قبره صلى الله عليه وسلم أو غيره من الأنبياء والصالحين لم يكن عليه أن يوفي بنذره، بل ينهى عن ذلك “.
أنواع زيارة القبور: زيارة القبور نوعان:
النوع الأول: زيارة شرعية يقصد بها السلام عليهم والدعاء لهم، كما يقصد الصلاة على أحدهم إذا مات صلاة الجنازة، ولتذكر الموت - بشرط عدم شد الرحال - ولاتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
النوع الثاني: زيارة شركيه وبدعية، وهذا النوع ثلاثة أنواع:
من يظن أن الدعاء عند القبور مستجاب، أو أنه أفضل من الدعاء في المسجد، وهذا من المنكرات بالإجماع.
- من يسأل الميت حاجته، وهؤلاء من جنس عباد الأصنام.
- من يسأل الله تعالى بالميت، كم يقول: أتوسل إليك بنبيك، أو بحق الشيخ فلان، وهذا من البدع المحدثة في الإسلام، ولا يصل إلى الشرك الأكبر، فهو لا يخرج من الإسلام كما يخرج الأول.
المصدر: عقيدة المسلم في ضوء الكتاب والسنة د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني
حقوق الطبع والنشر محفوظة لأصحابها
