أصول أهل السنة والجماعة.
إن أهل السنة يسيرون على أصول ثابتة وواضحة في الاعتقاد والعمل والسلوك.
وهي مستمدة من كتاب الله عز وجل، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه سلف هذه الأمة: من الصحابة، والتابعين.
ومن تبعهم من القرون الثلاثة المفضلة، وسار على نهجهم بإحسان إلى يوم الدين، وهذه الأصول على النحو الآتي:
الأصل الأول: الإيمان بالله عز وجل.
الإيمان بالله تعالى: هو الاعتقاد الجازم الذي لا يتطرق إليه شك بأن الله عز وجل رب كل شيء ومليكة، وأنه المستحق للعبادة وحده دون ما سواه وأن يفرد بالعبادة مع كمال المحبة والذل والخضوع، وأنه المتصف بصفات الكمال فله الأسماء الحسنى والصفات العلا، وهو سبحانه منزه عن كل عيب ونقص.
والإيمان بالله عز وجل يتضمن أربعة أمور:
الأول: الإيمان بوجود الله عز وجل، وقد دل على ذلك الفطرة والعقل والشرع والحس.
أما دلالة الفطرة على وجوده، فإن كل مخلوق قد فطر على الإيمان بخالقه من غير تفكير أو تعليم لقوله صلى الله عليه وسلم: " ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجسانه " أخرجه البخاري.
أما دلالة العقل على وجود الله عز وجل ، فلأن هذه المخلوقات سابقها ولا حقها لابد لها من خالق أو جدها على هذا النظام البديع ، ولهذا ذكر الله هذا الدليل العقلي والبرهان القطعي فقال عز وجل : ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ *أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ * أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ ) سورة الطور .ولما سمع جبير بن مطعم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآيات وكان مشركا قال : " كاد قلبي أن يطير وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي " أخرجه البخاري
أما دلالة الشرع على وجود الله عز وجل ن فأن الله أرسل الرسل وأنزل الكتب السماوية تنطق بذلك.
أما دلالة الحس على وجود الله عز وجل فمن وجهين:
أما دلالة العقل على وجود الله عز وجل ، فلأن هذه المخلوقات سابقها ولا حقها لابد لها من خالق أو جدها على هذا النظام البديع ، ولهذا ذكر الله هذا الدليل العقلي والبرهان القطعي فقال عز وجل : ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ *أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ * أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ ) سورة الطور .ولما سمع جبير بن مطعم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآيات وكان مشركا قال : " كاد قلبي أن يطير وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي " أخرجه البخاري
أما دلالة الشرع على وجود الله عز وجل ن فأن الله أرسل الرسل وأنزل الكتب السماوية تنطق بذلك.
أما دلالة الحس على وجود الله عز وجل فمن وجهين:
أننا نسمع ونشاهد من إجابة الداعين وغوث المكروبين ما يدل دلالة قاطعة على وجود الله عز وجل، قال سبحانه وتعالى: (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) سورة الأنبياء.
وفي صحيح البخاري عن أنس رضى الله عنه أن رجل أعرابيا دخل يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال : يا رسول الله هلك المال وجاع العيال فادع الله يغيثنا ، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال : ( اللهم أغثنا ، اللهم أغثنا ، اللهم أغثنا " قال أنس رضى الله عنه : فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال ، ثم لم ينزل من منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته ، فمطرنا فوالله ما رأينا الشمس سبتا ، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب فقال : يا رسول الله ، هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يمسكها عنا ، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال : " اللهم حوالينا ولا علينا " فلما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت .أخرجه البخاري .
أن آيات الانبياء التي تسمى المعجزات دليل قاطع على وجود الله عز وجل لأنها أمور خارجة عن نطاق البشر يجريها الله تأييدا لرسله ونصرا لهم.
الثاني: الإيمان بالربوبية.
أن الله عز وجل هو الرب الخالق، المالك المدبر قال عز وجل: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ) سورة فاطر.
ولم يعلم أن أحدا من الخلق أنكر ربوبية الله سبحانه وتعالى إلا أن يكون مكابرا، قال عز وجل عن آل فرعون: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّ) سورة النمل. وهذا توحيد الربوبية: هو إفراد الله تعالى بأفعاله.
الثالث: الإيمان بالألوهية
أن الله عز وجل هو الإله الحق المستحق للعبادة دون ما سواه، لكونه خالق العباد والمحسن إليهم، والقائم بأرزاقهم، والعالم بسرهم وعلانيتهم، والقادر على إثابة مطيعهم، وعقاب عاصيهم، ولهذه العبادة خلق الله الثقلين، قال عز وجل:
(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونا * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) سورة الذاريات
و (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) سورة البقرة.
قد أرسل الله عز وجل الرسل وأنزل الكتب لبيان هذا التوحيد " توحيد العبادة " والدعوة إليه، قال عز وجل:
(وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) سورة النحل.
و: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) سورة الأنبياء
و: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) سورة آل عمران.
وكل من اتخذ إلها من دون فإلهيته باطلة، قال عز وجل: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) سورة الحج
و (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) سورة البقرة.
قد أبطل الله عز وجل اتخاذ المشركين آلهة من دونه فبين ضعفها من كل وجه، فقال: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ * وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) سورة سبا.
فالعبادة حق الله عز وجل، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضى الله عنه: " حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا " أخرجه البخاري. وهذا كله: توحيد الألوهية: وهو إفراد الله تعالى بالعبادة.
الرابع: الإيمان بأسماء الله الحسنى وصفاته العلا:
أهل السنة والجماعة يثبتون ما أثبته الله عز وجل لنفسه ، وما أثبته له رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ،ولا تمثيل ويمرونها كما جاءت مع الإيمان بما دلت عليه من المعاني العظيمة ، فكل ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله من جميع الأسماء والصفات أثبتوه على الوجه اللائق به تعالى ، إثباتا مفصلا على حد قوله سبحانه : ( وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) سورة الشورى .وينفون عنه ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم نفيا إجماليا غالبا على حد قوله تعالى : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) سورة الشورى
والنفي يقتضي إثبات ما يضاده من الكمال ، فكل ما نفى الله عن نفسه من النقائص فإن ذلك يدل على ضده من أنواع الكمال ، وقد جمع الله النفي والإثبات في آية واحدة ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) سورة الشورى فهذه الآية تضمنت تنزيه الله من مشابهة خلقه : لا في ذاته ، ولا في صفاته ، ولا في أفعاله ، وفي أولها رد على المشبهة وهو قوله تعالى : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) وفي آخرها رد على المعطلة وهو قوله تعالى : ( وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) وفي أولها نفي مجمل ، وفي آخرها إثبات مفصل .
وقال الله عز وجل: (فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) سورة النحل. وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعهم بإحسان. نقلها عنهم أئمة أهل السنة.
قال الوليد بن مسلم رحمه الله: سألت الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، عن هذه الأحاديث التي فيها ذكر الرؤية فقالوا: " أمروها كما جاءت بلا كيف " وقد ذكر أهل السنة كلام الأئمة على قوله عز وجل: (الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ) سورة طه.
وأن ذلك يدل على علو الله على خلقه كما قال سبحانه وتعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) سورة فاطر.
وقال عز وجل: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً) سورة الأنعام
. قال أبو القاسم اللالكائي رحمه الله: (فدلت هذه الآية أنه تعالى في السماء وعلمه محيط بكل مكان من أرضه وسمائه، وقال: وروى ذلك من الصحابة: عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وأم سلمة رضى الله عنه، ومن التابعين ربيعة بن ابي عبد الرحمن، وسليمان التيمي، ومقاتل بن حيان، وبه قال من الفقهاء مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل. وسئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله تعالى :( الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ) كيف استوى؟ قال: " الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التصديق "
وقال رجل للإمام مالك رحمه الله: يا أبا عبدالله (الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ) كيف استوى؟ فقال: " الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فإني أخاف أن تكون ضالا وأمر به فأخرج "
وقيل لأبي عبدالله أحمد بن حنبل رحمه الله: الله عز وجل فوق السماء السابعة على عرشه بائن من خلقه، وقدرته وعلمه في كل مكان؟ قال: " نعم على العرش وعلمه لا يخلو منه مكان " وفي رواية: " أنه سئل عن قوله: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) سورة الحديد. فقال الكلام السابق.
وهذه المنقولات تدل على أن أهل السنة يثبتون الأسماء والصفات وما دلت عليه من المعاني العظيمة مع إمرارها كما جاءت بلا كيف. والمعية معيتان: معية عامة لجميع الناس، ومعية خاصة تقتضي التوفيق.
الأصل الثاني: الإيمان بالملائكة
الإيمان بالملائكة يتضمن أربعة أمور:
الإيمان بوجودهم.
الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه، ومن لم نعلم اسمه نؤمن به إجمالا.
الإيمان بمن علمنا به من صفاتهم، كصفة جبريل فقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أنه رآه على صفته التي خلق عليها وله ستمائة جناح كل جناح قد سد الأفق.
الإيمان بما علمنا من أعمالهم التي يقومون بها بأمر الله عز وجل. كتسبيحه تعالى كما قال عز وجل: (وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ) سورة الأنبياء.
وعن أبي ذر رضى الله عنه يرفعه: (إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضح جبهته ساجدا لله ...) أخرجه الترمذي. وهذا يدل على كثرتهم وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع له البيت المعمور في السماء يطوف به كل يوم سبعون ألف ملك بلا رجعة. ومن أعمالهم: أن جبريل أمين الوحي، وإسرافيل الموكل بالنفخ في الصور، وملك الموت الموكل بقبض الأرواح وغير ذلك.
الأصل الثالث: الإيمان بالكتب.
يجب الإيمان بالكتب إجمالا وأن الله عز وجل أنزلها على أنبيائه ورسله لبيان حقيقة التوحيد والدعوة إليه، قال عز وجل: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) سورة الحديد.
ونؤمن على سبيل التفصيل بما سمى الله منها: كالتوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن العظيم، والقرآن أفضلها وخاتمها والمهيمن عليها، والمصدق لها، وهو الذي يجب على جميع العباد اتباعه وتحكيمه مع ما صحت به السنة.
الأصل الرابع: الإيمان بالرسل
الإيمان بالرسل، فيصدق المسلم تصديقا جازما بأن الله عزوجل أرسل الرسل، لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، فيجب الإيمان بهم إجمالا
وتفصيلا، فيجب الإيمان بهم على وجه الإجمال، ويجب الإيمان بمن سمى الله منهم على وجه التفصيل، قال الله عز وجل: (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) سورة النساء.
فيؤمن العبد أن من أجاب الرسل فاز بالسعادة ومن خالفهم باء بالخيبة والندامة، وخاتمهم وأفضلهم هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
الأصل الخامس: الإيمان باليوم الآخر
الإيمان باليوم الآخر يدخل فيه الإيمان بكل ما أخبر الله به وأخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت ومن ذلك ما يأتي:
عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم فإن كانت صالحة قالت: قدموني وإن كانت غير صالحة قالت: ياويلها أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعها الإنسان لصعق" أخرجه البخاري. ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه وإن تكن غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم" أخرجه البخاري
الإيمان بفتنة القبر وأن الناس يمتحنون في قبورهم بعد الموت فيقال للإنسان: من ربك وما دينك ومن نبيك؟ فالمؤمن يقول: ربي الله وديني الإسلام، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم، والفاجر يقول: هاه هاه لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته، فيقال له: لا دريت ولا تليت، فيضرب بمطرقة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان، وفي رواية: " يسمعها من يليه إلا الثقلين “. قال الله تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) سورة ابراهيم.
الإيمان بنعيم القبر وعذابه: فقد ثبت بالكتاب والسنة وهو حق يجب الإيمان به، والعذاب يجري على الروح والجسد تبع له ويوم القيامة على الروح والبدن جميعا. فعذاب القبر ونعيمه حق دل عليه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
القيامة الكبرى: حين ينفخ إسرافيل في الصور النفخة الأولى ثم ينفخ نفخة البعث والنشور فتعاد الأرواح إلى أجسادها فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلا (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ *وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) سورة عبس
الميزان الذي توزن به الأعمال، ويوزن العامل وعمله (فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ *وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ) سورة المؤمنون.
الدواوين وتطاير الصحف ، فآخذ كتابه وصحائف أعماله بيمينه ، وآخذ كتابه بشماله من وراء ظهره : ( فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ ۜ*هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ) سورة الحاقة .وقال تعالى : ( وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا ) سورة الانشقاق .
الحساب، فإن الله يوقف عباده على أعمالهم قبل الانصراف من المحشر فيرى كل إنسان عمله: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا) سورة آل عمران. و (وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) سورة البقرة.
الحوض فيجب التصديق الجازم بأن حوض النبي صلى الله عليه وسلم في عرصات القيامة ماءه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، وطوله شهر وعرضه شهر، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، وهذا مختص بمحمد صلى الله عليه وسلم ولكل نبي حوض ولكن أعظمها حوض النبي صلى الله عليه وسلم.
الصراط، وبعده القنطرة بين الجنة والنار يجب الإيمان بذلك وهو منصوب على متن جهنم، يمر عليه الأولون والآخرون، وهو أحد من السيف وأدق من الشعر، يمر عليه الناس على حسب أعمالهم: فمنهم من يتجاوزه كلمح البصر، وكالبرق، وكالريح وكالفرس الجواد، وكركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدوا، ومنهم من يمشي، ومنهم من يزحف زحفا، ومنهم من يسقط في جهنم، وعلى حافة الجسر كلاليب تخطف من أمرت بخطفه، فإذا تجاوز المؤمنون وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض فإذا نقوا أذن لهم في دخول الجنة.
الشفاعة وهي سؤال الخير للغير، وهي أنواع منها: الشفاعة العظمى لأهل الموقف، والشفاعة في اهل الجنة أ، يدخلوها والشفاعة في تخفيف العذاب عن أبي طالب، وهذه الثلاثة خاصة بمحمد صلى الله عليه وسلم. والشفاعة فيمن استحق النار أن لا يدخلها ، وفيمن دخلها أن يخرج منها وهذه الشفاعة يشترك فيها النبيون ، والصديقون ، والشهداء والصالحون ، وهي تتكرر من النبي صلى الله عليه وسلم أربع مرات : يشفع فيمن كان في قلبه مثال شعيرة من إيمان .يشفع فيمن كان في قلبه مثال ذرة أو خردل من إيمان .ثم فيمن كان في قلبه أدنى حبه من خردل من إيمان .ثم فيمن قال : لا إله إلا الله .ثم يخرج الله عز وجل من النار أقواما بغير شفاعة ، بل رحمته ، وفضله وإحسانه ، فيقول الله تعالى :" شفعت الملائكة وشفع النبيون ، وشفع المؤمنون ، ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط " صحيح البخاري .
الجنة والنار يجب الاعتقاد بأن الجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان، والجنة دار أوليائه، والنار دار أعدائه، وأهل الجنة فيها مخلدون وأهل النار من الكفار مخلدون، والجنة والنار موجودتان الآن، وقد رآهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف، وليلة المعراج، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن الموت يجاء به في صورة كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار ويُذبح ويقال: " يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت " صحيح البخاري.
الأصل السادس: الإيمان بالقدر خيره وشره
ويتضمن الإيمان بأمور أربعة:
الإيمان بأن الله تعالى علم أحوال عباده، أرزاقهم، وآجالهم وأعمالهم، وما كان ويكون، لا يخفى عليه شيء: (إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) سورة العنكبوت. و (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) سورة الطلاق كتابته عز وجل لكل المقادير، قال عز وجل: (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) سورة يس. وقال سبحانه: (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) سورة العنكبوت. وفي صحيح مسلم: " كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة " صحيح مسلم.الإيمان بمشيئة الله النافذة، فما شاء كان ومالم يشأ لم يكن، قال عز وجل: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) سورة التكوير. وقال: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) سورة يس.الإيمان بأن الله هو الخالق لكل شيء وما سواه مخلوق له، قال عز وجل: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) سورة الزمر.أمور تدخل في الإيمان بالله عز وجليدخل في الإيمان بالله الإيمان الصادق بجميع ما أوجبه الله على عباده وفرضه عليهم، كأركان الإسلام الخمسة، وغيرها مما أوجب الله على عباده.ومن الإيمان بالله: الاعتقاد بأن الإيمان قوله وعمل، [يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية]ومن الإيمان الحب في الله والبغض في الله.
المصدر: عقيدة المسلم في ضوء الكتاب والسنة د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني
©حقوق الطبع والنشر لأصحابها.
