فضيلة من يتجلد لموت الولد
عندما يصل المسلم إلى درجة من الإيمان، ويبلغ منزلة رفيعة من اليقين، ويؤمن حقيقة بالقضاء خيره وشره، من الله تعالى، تصغر في عينيه الأحداث، وتهون أمامه المصائب، ويستسلم لله سبحانه في كل ما ينوب ويروع، وتطمئن نفسه، ويستريح ضميره لصبره على البلاء، ورضائه بالقضاء، وخضوعه لمقادير رب العالمين.
أخبر النبي صلوات الله وسلامه عليه، أن من يموت له ولد فيصبر ويسترجع، يبنى الله له بيتا في الجنة اسمه بيت الحمد. فقد روى الترمذي وابن حبان عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا مات ولد العبد قال الله عز وجل لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع*، فيقول: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة، وسموه بيت الحمد “.
ولهذا الصبر ثمرات، يقتطفها الصابر المحتسب، في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.
فمن ثمراته أنه سبيل إلى الجنة، وحجاب من النار: روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للنساء مرة: " ما منكن امرأة يموت لها ثلاثة من الولد، إلا كانوا لها حجابا من النار، فقالت امرأة: واثنان؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: واثنان “.
وروى أحمد وابن حبان عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من مات له ثلاثة من الولد فاحتسبهم دخل الجنة، قال: قلنا: يا رسول الله: واثنان قال: واثنان ".
قال أحد الرواة لجابر: أراكم لو قلتم: واحدا، لقال: واحدا قال جابر: وأنا أظن ذلك.
ومن ثمرات الصبر كذلك أن الولد الذى يموت وهو صغير يشفع لأبويه يوم القيامة.
وروى الطبراني بإسناد جيد عن حبيبة أنها كانت عند عائشة رضى الله عنها، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى دخل عليها، فقال ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث (أي سن البلوغ) إلاجىء بهم يوم القيامة حتى يوقفوا على باب الجنة، فيقال لهم: ادخلوا الجنة، فيقولون: حتى يدخل آباؤنا، فيقال لهم: ادخلوا الجنة أنتم وآباؤكم.
وروى مسلم في صحيحه عن أبي حسان قال: توفي ابنان لي فقلت لأبي هريرة رضي الله عنه: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا تحدثناه، تطيب به أنفسنا عن موتانا؟ قال: نعم، " صغارهم دعاميص (أي صغار أهلها، وأصله دويبة تكون في الماء لا تفارقه، أي أن هذا الصغير في الجنة لا يفارقها) الجنة يلي أحدهم أباه - أو قال أبوية- فيأخذ بناحية ثوبه أو يده، كما آخذ بصنفه (أي طرفه) ثوبك هذا، فلا يفارقه حتى يدخله الله وإياه الجنة ".
من الموافق البطولية الإيمانية.
موقف أم سليم رضي الله عنها الرائع وتجلدها العظيم. وإليكم القصة بكمالها كما رواها البخاري ومسلم : عن أنس رضي الله عنه قال : كان ابن لأبي طلحة رضي الله عنه يشتكي .فخرج أبو طلحة ، فقبض الصبي ، فلما رجع أبو طلحة قال : ما فعل ابني ؟ قالت أم سليم وهي أم الصبي أسكن ما كان ، فقربت له العشاء فتعشى ، ثم تصنعت ( أي تزينت ) أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك ، فوقع بها ( أي جامعها ) فلما رأت أنه قد شبع وأصاب منها ، قالت : يا أبا طلحة أرأيت لو أن قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت ، فطلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم ؟ قال : لا ، فقالت : فاحتسب ابنك ( أي ابنك مات فاطلب الأجرب من الله ) ، قال : فغضب ، ثم قال : تركتني حتى إذا تلطخت ( أي أصابتني جنابة بسبب الجماع ) ثم اخبرتني بابني ، فانطلق حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما كان فأقر عليه الصلاة والسلام أم سليم على ما فعلت ثم قال :" بارك الله ليلتكما " وفي رواية قال : اللهم بارك لهما " فولدت غلاما سماه النبي صلى الله عليه وسلم عبدالله ، فقال رجل من الأنصار : فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرأوا القرآن ، يعنى من أولاد ( عبدالله ) المولود وما ذاك إلا استجابة لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دعا : ( اللهم بارك لهما ).
ولا شك أن الإيمان بالله سبحانه، إذا ترسخ في قلب مؤمن، فإنه يصنع الأعاجيب لكونه يصير من الضعف قوة، ومن الجبن شجاعة، ومن الشح والبخل بذلا وسخاء، ومن الجزع والهلع صبرا واحتمالا.
-------
*يسترجع: يقول إنا لله وإنا إليه راجعون
المصدر: تربية الأولاد في الاسلام. عبدالله ناصح علوان.
©حقوق الطبع والنشر لأصحابها.
