الحجج والبراهين على صدقه صلى الله عليه وسلم
ظهر على يده صلى الله عليه وسلم من الآيات والمعجزات الخارقة للعادات عند التحدي أكثر من سائر الأنبياء ، والعهد بهذه المعجزات قريب ، وناقلوها أصدق الخلق وأبّرهم ، ونقلها ثابت بالتواتر قرنا بعد قرن ، وأعظمها معجزة : القرآن ، لم يتغير ولم يتبدل منه شيء ، بل كأنه منزل الآن ، وما أخبر به يقع كل وقت على الوجه الذي أخبر به ، كأنه يشاهده عيانا ، وقد عجز الأولون والآخرون عن الإتيان بمثله ( قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ) سورة الانبياء
لا يمكن ليهودي أن يؤمن بنبوة موسى صلى الله عليه وسلم إن لم يؤمن بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، ولا يمكن لنصراني أن يقر بنبوة المسيح صلى الله عليه وسلم إلا بعد إقراره بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، لأن من كفر بنبوة نبي واحد فقد كفر بالأنبياء كلهم ، ولم ينفعه إيمانه ببعضهم دون بعض ، كما قال تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا *أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا * وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُولَٰئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ) سورة النساء
لا ينفع أهل الكتاب شهادة المسلمين بنبوة موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، لأن المسلمين أمنوا بهما على يد محمد صلى الله عليه وسلم، وكان إيمانهم بهما من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به، فلولاه ما عرفنا نبوتهما، ولا سيما وليس بأيدي أهل الكتاب عن أنبيائهم ما يوجب الإيمان بهم، فلولا القرآن الكريم ومحمد صلى الله عليه وسلم ما عرفنا شيئا من آيات الأنبياء المتقدمين.
فمحمد صلى الله عليه وسلم وكتابه هو الذي قرر نبوة موسى وعيسى، لا اليهود والنصارى، بل نفس ظهوره، ومجيئه تصديقا لنبوتهما، فإنهما أخبرا بظهوره، وبشرا بظهوره: (وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) سورة الصف.
فلما بعث كان بعثه تصديقا لهما، قال تعالى عن محمد صلى الله عليه وسلم: (بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ) سورة الصافات.
فمجيئه تصديق لهما من جهتين: من جهة إخبارهم بمجيئه ومبعثه، ومن جهة إخباره بمثل ما أخبروا به وشهادته بنبوتهم، ولو كان كاذبا لم يصدق من قبله، كما يفعل أعداء الأنبياء.
ومن أعظم الأدلة على صدقه صلى الله عليه وسلم أنه قال لليهود لما بهتوه: (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) سورة البقرة. ولم يجسر أحد منهم على ذلك - مع اجتماعهم على تكذيبه وعداوته - ولم يجسر أحد منهم على ذلك - مع اجتماعهم على تكذيبه وعداوته - لما أخبرهم بحلول الموت بهم إن أجابوه إلى ذلك ، فلولا معرفتهم بحاله في كتبهم ، وصدقه فيما يخبرهم به لسألوا الله الموت لأي الفريقين أكذب ، منهم أو من المسلمين على وجه المباهلة ، ونظير ذلك قوله تعالى : ( قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ *وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ) سورة الجمعة .
وغير ذلك من دلائل نبوته وصدقه صلى الله عليه وسلم التي سأذكرها - إن شاء الله تعالى - ولا شك أن الآيات والبينات الدالة على نبوته صلى الله عليه وسلم وعموم رسالته كثيرة متنوعة، وهي أكثر وأعظم من آيات غيره من الأنبياء وجميع الأنواع تنحصر في نوعين:
- منها: ما مضى وصار معلوما بالخبر الصادق كمعجزات موسى وعيسى.
- ومنها: ما هو باق إلى اليوم كالقرآن، والعلم والإيمان اللذين في أتباعه، فإن ذلك من أعلام نبوته، وكشريعته التي أتى بها، والآيات التي يظهرها الله وقتا بعد وقت من كرامات الصالحين من أمته، وظهور دينه بالحجة والبرهان، وصفاته الموجودة في كتب الأنبياء قبله وغير ذلك.
المصدر: عقيدة المسلم في ضوء الكتاب والسنة د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني.
©حقوق الطبع والنشر لأصحابها.
