كيف يكسب الطفل اللغة ؟

النظريات .

  • هناك نظريات كثيرة ورؤى متعددة في اكتساب الطفل للغة ، لعل أبرزها نظريتان تتربعان على قمة الفقه الذي يفسر طريقة اكتساب الطفل للغته الأم .

النظرية الطبيعية 

  • النظرية الطبيعية تعتقد أن اكتساب اللغة يتم بالفطرة البشرية وما أودعه الله فيه من نظام الوراثة .
  • فالطفل منذ ولادته يمتلك نظاما متكاملا يستوعب مجمل اللغة ويدركها بطريقة شاملة .
  • يفترض مؤيدو هذه النظرية أن الإنسان مخلوق " مبرمج " من الناحية البيولوجية ، ينتقل من مرحلة إلى أخرى في ضوء هذه البرمجة ، ولدية مقدرة بالفطرة والطبيعة لإخراج أنماط من السلوك اللغوي في مراحل متتالية من نموه العقلي .
  • فالإنسان وفق هذه المعطيات أشبه بالنبات الذي يخرج أزهارا تتفتح تدريجيا وتأخذ أطوارا مختلفة حتى تصل إلى تمام نضجها .
  • يرى عالم اللغة ( تشو مسكي - CHoksky ) وجود هذه الميزات الفطرية التي تفسر مقدرة الطفل على اتقان لغته الأولى في وقت قصير ، على الرغم من أنه يواجه طبيعة تجريدية في كنه تطور اللغة .
  • شبه تشو مسكي هذه المعرفة الفطرية بجهاز صغير مهمته اكتساب اللغة .
  • يفترض أتباع هذه المدرسة ، أن لهذه الإمكانات المقدرة على الدخول في عملية تقويم مستمرة لتطوير النظام اللغوي ، بحيث يكون في وسع الطفل تعلم أنفع الطرق وأدومها للحوار مع البيئة المحيطة . وقد فتحت هذه الدراسة آفاقا واسعة حول خصائص لغة الطفل .
  • يعترض الدكتور رمضان عبدالتواب على نظرية الاستعداد الفطري بقولة : إذا كان الطفل قد زود بفطرته بهذه الألفاظ فلماذا إذن اختلاف اللغات وتعدد اللهجات . لذا نكاد نجزم بأن آثار القوى الفطرية لابد أن تكون متحدة إلى حد ما ، ثم كيف تسنى للإنسان أن الألفاظ من مكانها ويطلقها على المسميات المختلفة ؟
  • نجيب على هذا الاعتراض بان الطفل مزود بالاستعداد الكامن بالفطرة على صوغ اللغة ، وهو غير مزود بأسماء الأشياء من حوله بدليل أن الطفل الذي تحيطه البيئة الإنكليزية سيتكلم بلغتها ولن يتكلم بالعربية ، فدور البيئة ينحصر في دفعه الاستثمار هذه القدرة الكامنة في فهم بيئته والتعامل معها .
    نقطة ، point

النظرية السلوكية 

  • المدرسة الثانية في اكتساب الطفل للغة فهي " النظرية السلوكية " التي ترى أن الطفل يولد وعقله خال تماما من أية أدوات فطرية وأية برمجة سابقة ، وإنما تراه ينتظر التعلم من المصادر الخارجية التي سوف يتعامل معها ويحتك بها ، فليس لدى الطفل أية معارف سابقة عن طبيعة اللغة ونظام تعلمها ، وتقوم البيئة التي ينغمس فيها الطفل بتشكيله ببطء عن طريق مسارب مختلفة من أهمها .
التمرين والتكرار وتأليف العادات اللغوية والتعزيز والربط والإثارة والاستجابة والتعليم الشرطي وغيرها .
  • يعد عالم اللغة سكنر - Skinner  من أشهر علماء المدرسة السلوكية وكان يرى أن تكرار العمليات اللغوية عنصر مهم لاكتساب السلوك اللغوي ، وعندما تكون نتائج التكرار إيجابية فسوف يؤدي ذلك إلى الاحتفاظ بمضمون الرسالة اللغوية وإضافة صور جديدة لها ، إما إذا كانت نتائج التكرار سلبية كأن تنطوي على عقاب او لم يتوفر لها التعزيز الإيجابي المناسب فستؤدي إلى إضعاف الرسالة اللغوية أو إجهاضها .
  • لقد لفت نظر المدرسة السلوكية رغبة الطفل الشديدة في محاكاة الآخرين ، ورغبته في التمرين المستمر على أداء اللغة لا سيما في المراحل اللغوية الأولى من تطوره العقلي ، فالتقليد والمحاكاة هما عماد تشكيل العادات اللغوية وتجذرها ، والسلوك الذي سيتطور هو بسبب تفاعل الطفل مع محيطه .

أمثلة ذلك .

  • أن الأطفال قبل النوم مولعون بترديد الجمل والعبارات والدخول في حوارات متنوعة مع ذواتهم وهم على أسرتهم وهذا ضرب من ضروب التمرين على اللغة ، ووجه من وجوه الاكتساب اللغوي على هيئة اللعب باللغة .
  • تعرضت هذه النظرية لجانب من النقد ،  مع أن الجميع يقر لها بما فتحته من آفاق رحبة في تأثير السلوك اللغوي المتنوع الذي يترك بصماته على الطفل .
  • يقول عالم اللغة الأمريكي " براون - Brown ) هناك جانب آخر للموضوع ، فقد نظرت المدرسة السلوكية إلى الجانب الذي يرى أن السلوك الإنساني يمكن التنبئو به والتحكم فيه ودراسته بالطرق العملية ، ولم يتنظر إلى الجانب الذي يرى أن السلوك الإنساني له طبيعة تجريدية ، ويتكون من عناصر معقدة للغاية تجعل التنبؤ به والتحكم فيه أمرا في غاية الصعوبة إلا في حالات نادرة "

المقارنة 

  • من مجموع النظريتين : الطبيعية والسلوكية .
  • نؤكد أن الطفل عندما يولد يكون لديه الاستعداد ليستفيد من معطيات البيئة على النحو الذي فصلته المدرسة السلوكية ، وبذلك تتعاون النظريات على الوصول إلى مفهوم متكامل يفسر اكتساب الطفل للغته الأم من خلال تطوره ونموه العقلي ، فلولا هذا الاستعداد الفطري الكامن في أعماق الطفل وفي بنيته البيولوجية لم يكتسب الطفل اللغة ، ولولا محيطه الذي يتفاعل معه من خلال التعزيز والإثارة والاستجابة والتعلم ، لم يستطع استثمار هذه القدرات الكامنة فيه . بالإضافة إلى أن الطفل المعني باكتساب اللغة يعيش أياما ذهبية فيما يسمونه بفرضيه " الفترة الحرجة " وهي الفترة الأولى من العمر التي يكون فيها التقاطه لعناصر اللغة سهلا ، حتى إذا تجاوز هذه الفترة الحرجة أصبح اكتسابه للغة أكثر صعوبة ، كما ان مرونة المخ وطواعية عضلات النطق تقدم له مؤازرة عجيبة ، فلا عجب أن نرى الأطفال ينطقون نطقا صحيحا يماثل نطق أصحاب اللغة الأصليين ، بينما لا يستطيع الكبار الذين يحاولون كسب اللغة فعل ذلك .
  • ثمة عامل مهم في حياة الطفل يتمثل في مواجهة الطفل ضغطا اجتماعيا كبيرا من محيطه لكي ينسجم معه ويتفاعل مع معطياته ، ولعل لتاثير أصحابه وجيرانه عامل مهم في اكتساب منظومة اللغة ، وذلك على نحو مختلف من الكبار ، فالطفل يتوجب عليه أن يكون كغيره من الأطفال الذين يلعب معهم من حيث الفكر والعادات والأفعال والتعامل مع الألعاب ، ويحتاج هذا التكيف مع محيط الأصحاب إلى فهم وسيلة الاتصال ،و تعزيز زاده اللغوي الذي يحرص على اكتسابه ، والطفل الصغير منذ ان يشب عن الطوق يميل بالفطرة إلى محادثة أترابه وتقليدهم  وتكرار ما يلتقطه منهم حتى إذا عاد إلى بيته وفراشه مضى يردد ما تعلمه من رفاقه .
  • ولاحظ العلماء وهم يراقبون اكتساب الطفل للغة محيطه ، أنه يتعلم الجمل أكثر من تعلم الكلمات لا سيما في مراحل نشأته الأولى بعد مرحلة الفطام .

  • يرى خبير تعليم اللغة براون أن مجرد التعرض للغة يكفي لتشغيل آلة تعلم اللغة وتحفزيها على العمل ، فحتى يتم الاكتساب الناجح للغة الأولى لابد من وجود الاحتكاك اللغوي وليس مجرد التعرض للغة ، فالأطفال لا يتعلمون اللغة من مجرد استماعهم إلى كلام الآخرين ولكن يتعلمونها بسبب كونهم جزءا من الحدث اللغوي نفسه ، حيث يتم الحديث معهم وتتم الاستجابة له ويمكن أن نستفيد من هذه النتيجة المهمة في تعزيز أنشطة تطبيق قواعد اللغة وأنماطها النظرية ، بحث يكون المتلقي لهذه اللغة جزءا من الحدث اللغوي نفسه ، وذلك بربط الطالب بنصوص اللغة وحركتها الطبيعية من خلال آدابها ومهاراتها بدلا من التركيز على القاعدة النظرية فقط .



المصدر : مجلة القافلة 
حقوق  الطبع والنشر لأصحابها
Copyright to their respective owners

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مظاهر العصبية القبلية في العصر الجاهلي

مفهوم العنف . Violence